الرابع : وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء أن اللام زائدة ، و « أن » مضمرة بعدها ، والتبيين مفعول الإرادة . قال الزمخشري :
« يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ »
يريد اللّه أن يبيّن ، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين ، كما زيدت في « لا أبا لك » لتأكيد إضافة الأب » . وهذا - كما رأيت - خارج عن أقوال البصريين والكوفيين ، وفيه أنّ « أن » تضمر بعد اللام الزائدة ، وهي لا تضمر - فيما نص النحويون - بعد لام إلا وتلك اللام للتعليل أو للجحود .
وقال بعضهم : اللام هنا لام العاقبة كهي في قوله :
« لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً »
« 1 » ، ولم يذكر مفعول التبيين ، بل حذفه للعلم به ، فقدّره بعضهم : « ليبين لكم ما يقرّبكم » ، وبعضهم : « أن الصبر عن نكاح الإماء خير » ، وبعضهم « ما فصّل من الشرائع » ، وبعضهم : « أمر دينكم » وهي متقاربة .
ويجوز في الآية وجه آخر حسن : وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال : تنازع « يبيّن » و « يهدي » في
« سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ »
؛ لأنّ كلا منهما يطلبه من جهة المعنى ، وتكون المسألة من إعمال الثاني ، وحذف الضمير من الأول تقديره : ليبيّنها لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ، والسّنّة : الطريقة ، ويؤيد هذا أن المفسرين نقلوا أنّ كل ما بيّن لنا تحريمه وتحليله من النساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكم كذلك أيضا في الأمم السالفة ، أو أنه بيّن لكم المصالح ؛ لأنّ الشرائع وإن كانت مختلفة في نفسها إلا أنها متفقة في المصلحة .
وزعم بعضهم أنّ في قوله تعالى :
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ :
تكريرا لقوله : « ويتوب عليكم » المعطوف على
« لِيُبَيِّنَ »
. قال ابن عطية : « وتكرار إرادة اللّه للتوبة على عباده تقوية للإخبار الأول ، وليس القصد في الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتّبعون الشهوات ، فقدّمت إرادة اللّه توطئة مظهرة لفساد إرادة متّبعي الشهوات » . وهذا الذي قاله إنما يتمشّى على أنّ المجرور باللام في قوله
« لِيُبَيِّنَ »
مفعول به للإرادة لا على كونه علة ، وقد تقدّم أن ذلك قول الكوفيين وهو ضعيف ، وقد ضعّفه هو أيضا . وإذا تقرّر هذا فنقول : لا تكرار في الآية ؛ لأنّ تعلّق الإرادة بالتوبة في الأول على جهة العلّيّة ، وفي الثاني على جهة المفعولية ، فقد اختلف المتعلّقان .
قوله :
وَيُرِيدُ الَّذِينَ
بالرفع عطفا على
« وَاللَّهُ يُرِيدُ »
عطف جملة فعلية على جملة اسمية ، ولا يجوز أن ينتصب لفساد المعنى ، إذ يصير التقدير : « واللّه يريد أن يتوب ويريد أن يريد الذين » . واختار الراغب أن الواو للحال تنبيها على أنه يريد التوبة عليكم في حال ما يريدون أن تميلوا ، فخالف بين الإخبارين في تقديم المخبر عنه في الجملة الأولى وتأخيره في الثانية ، ليبين أنّ الثاني ليس على العطف » . وقد ردّ عليه بأن إرادة اللّه التوبة ليست مقيدة بإرادة غيره الميل ، وبأن الواو باشرت المضارع المثبت . وأتى بالجملة الأولى اسمية دلالة على الثبوت . وبالثانية فعلية دلالة على الحدوث .
قوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ :
في هذه الجملة احتمالان :
أحدهما : - وهو الأصحّ - أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب .
والثاني : أنها حال من قوله :
« وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ »
العامل فيها
« يُرِيدُ »
أي : واللّه يريد أن يتوب عليكم يريد أن يخفف عنكم . وفي هذا الإعراب نظر من وجهين ، أحدهما : أنه يؤدّي إلى الفصل بين الحال وبين عاملها بجملة معطوفة
هامش
( 1 ) سورة القصص ، آية ( 8 ) .