تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
هامش
- سلوكهم ومجاهدتهم ورياضتهم وتحصيل كمالاتهم العلميّة والعمليّة ، أعني بقدر إتّصافهم بصفات الحق والتخلّق بأخلاقه ، لأنّ القرب إليه عبارة عن الإتّصاف بصفته والتخلّق بأخلاقه فقط ، لا الّذي يتصوّره المحجوب عنه ، أعني أنّ القرب بحسب المكان - تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا - وليس الطريق إليه للخلق إلّا بهذا الوجه ، وهذا هو الموسوم بالصراط المستقيم ، لا غير ، لأنّ غير هذا لا يكون مستقيما ، بل غير مستقيم ولا يصل صاحبه إليه ( أي إلى الحق ) أبدا . وهذا مع سهولته لا يحصل لكلّ أحد ، بل من مأة ألف ألف نفس لنفس واحدة ! لأنّه أخفى من عنقاء مغرب وأغرّ من الكبريت الأحمر . « ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم » . والسبب في ذلك هو أنّ حصوله - بعد عناية اللّه تعالى وحسن توفيقه - موقوف على أسباب كثيرة ومعدّات جمّة ، مثل النبيّ الكامل أو الإمام المعصوم أو الشيخ الواصل المكمّل مع استعداد خاصّ ورياضة شاقّة ومجاهدة صعبة وموت إرادي ، والتنزّه عن مزخرفات الدنيويّة ، وعدم الالتفات إلى درجات الأخرويّة ، والتوجه إلى الحق سبحانه بالكلّيّة ، والإجتهاد في الفناء الحقيقي والهلاك الكلّي ، وغير ذلك من الأسباب . رزقنا اللّه تعالى الوصول إليه بفضله وكرمه . هذا بالنسبة إلى الإنسان والملك والجنّ وذوى العقول وأمثالهم . وأمّا بالنسبة إلى موجودات أخر غيرهم ، فلكلّ سلوك وتوجّه ، لقوله تعالىوَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهاحتّى الحجر والمدر ، ومع ذلك توجّه الحجر ليس كتوجّه المدر ، ولا طريق المدر كطريق الحجر ، وبالجملة توجّه كلّ موجود وسلوكه - بعد ذوى العقول - هو الّذي هو عليه ، لقوله تعالىقُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِولقوله - عليه السّلام - « كلّ ميسّر لما خلق له » . والحق أنّ هاتين الطائفتين بهذين التصوّرين - تصوّر القرب من اللّه والطريق إليه - في غاية البعد والطرد منه . نعوذ باللّه منهما ومن أمثالهما ! وكأنّه فيهما ورد ما وردذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ. وعليهم نزل ما نزلوَما
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 59 | السيد حيدر الآملي / السيد محسن الموسوي التبريزي