تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
هامش
- ولا يكون لأحد مزيّة على الآخر ، لا من الأنبياء والأولياء والملائكة ولا من غيرهم . ولا شكّ أنّ هذين التصوّرين في غاية الرداءة ، وأنّهما من أكبر المفاسد وأعظم المهالك ، لا سيّما في هذا الطريق ، ودفعهما وأزالتهما واجب على كلّ واحد من العقلاء ، خصوصا على العلماء وأمثالهم . فنقول : ينبغي أن يعرف أنّ الطريق والقرب من اللّه تعالى إلى الموجودات والمخلوقات خلاف طريقهم وقربهم إليه ، لأن طريقه وقربه إليهم من حيث الإحاطة والوجود ، وقربهم وطريقهم إليه من حيث الاستعداد والسلوك . وبينهما بون بعيد وفرق كثير ، لأنّ القرب ( الإلهي من الموجودات والمخلوقات ) والطريق الّذي هو من طرق الحقّ إليهم هو أزلا وأبدا ، على وتيرة واحدة ، لا يزيد ولا ينقص ، ولا يتغيّر منه شيء ، بل هو تأثير واقع من الأزل إلى الأبد ، وليس مخصوصا بزمان ، وليس لأحد مزيّة ( فيه ) على الآخر ، والحجر والمدر والشجر والحيوان والإنسان والملك والجنّ والفلك والأجرام فيه على سواء . و ( أمّا ) قرب آدم ( من اللّه ) وبعد إبليس ( عنه ) ، وكذلك قرب موسى وبعد فرعون ، و ( قرب ) إبراهيم و ( بعد ) نمرود ، و ( قرب ) محمّد و ( بعد ) أبي جهل ، وغيرهم من الأنبياء والأولياء وأعدائهم من الكفّار والمشركين ، فهو من حيثيّة أخرى ، لا من هذه الحيثيّة . وذلك لان نسبة المحيط إلى المحاط نسبة واحدة ، ونسبة المظهر إلى المظاهر كذلك . ومثال ذلك - ان لم تفهم تقريرنا وتحيّرت في عباراتنا - مثال قرب المداد بكلّ حرف من حروف هذا الكتاب ، لأنّه لا يكون حرف أقرب من الآخر بحسب الوجود ، وان كان أقرب إلى بعض بحسب الكتابة والرقوم . فافهم ! فإنّه دقيق . « وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلّا العالمون » . وأمّا القرب والطريق الّذي هو من طرق المخلوقات والموجودات - أعني من حيث الاستعداد والسلوك - فهو لا يكون إلّا بعد الاستعداد الذاتي الأزليّ والسلوك الحقيقيّ الأبديّ ، أعني لا يكون قربهم وطريقهم إليه بعد الاستعداد الذاتيّ الأزليّ ، إلّا بقدر