تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وأمّا التجلّي الثاني وهو الّذي ظهر به أعيان الممكنات الثابتة الّتي هي شؤون الذات لذاته تعالى وهو التعيّن الأوّل بصفة العالميّة والقابليّة لأنّ الأعيان معلوماته الأولى الذاتيّة القابلة للتجلّي الشهودي وللحقّ بهذا التجلّي تنزل من الحضرة الأحديّة إلى الحضرة الواحديّة بالنّسب الأسمائيّة . وأمّا التجلّي الثالث الشهودي فهو ظهور الوجود المسمّى بالاسم « النور » وهو ظهور الحقّ بصور أسمائه في الأكوان الّتي هي صورها وذلك الظهور هو النفس الرّحمن الّذي يوجد به الكلّ المتقدّم ذكره . فيكون تقديره حينئذ : الحمد الجامع الكامل من جميع الجهات للّه الّذي هو ربّ العامين بإعطائهم الوجود العلمي والعيني والشهادي . وإفاضته جعل لهم النعم المعنويّة الّتي هي العلوم والحقائق المكشوف والمعارف ، والنعم الصوريّة الّتي هي الرّوح والقلب والعقل والحسّ والقدرة والقوّة والشهوة والنفرة ، والمأكول والملبوس وما شاكل ذلك لقوله :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
[ لقمان : 20 ] . ولقوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
[ النور : 21 ] . لأنّ الرّبوبيّة متفاوتة بحسب المربوبات ومقتضياتها ، فالرّبوبيّة كلّ واحدة من المخلوقات والموجودات تكون بما يناسب حاله ويقبل إستعداده ، ولهذا يربّي العقول المجرّدة بالعلوم والحقائق الكلّيّة ، والنفوس المفارقة العلويّة بالمعارف والمعلومات التفصيليّة ، والملائكة السّماويّة بعلوم التنزيه والتقديس ، والأرضيّة بعلوم التدبير للعباد والتعمير للبلاد