ومعنى « ألقاها إلى مريم » أوصلها إليها وحصّلها فيها ، وثلاثة خبر مبتداء محذوف ، فإن صحّت الحكاية عنهم أنّهم يقولون : هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم : أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس .
فإنّهم يريدون بأقنوم الأب الذات ، وبأقنوم الابن العلم ، وبأقنوم روح القدس الحياة ، فتقديره اللّه ثلاثة ، وإلّا فتقديره الآلهة ثلاثة ، والّذي يدلّ عليه القرآن التصريح منهم بأنّ اللّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأنّ المسيح ولد اللّه في مريم ألا ترى إلى قوله :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] .
وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
[ التوبة : 30 ] .
والمشهور الشايع عنهم يقولون في المسيح لاهوتيّته من جهة الأب وناسوتيّته من جهة الأمّ ، ويدلّ على بطلان ما قالواه قوله تعالى :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
[ النساء : 171 ] .
فأثبت أنّه رسوله وأنّه ولد مريم اتّصل بها اتّصال الأولاد بأمّهاتهم ، وأنّ اتّصاله باللّه من حيث إنّه موجود بأمره وإبتداعه جسدا حيّا من غير أب ، وأنّه رسوله فنفى أن يتّصل به إتّصال الأبناء بالآباء بقوله :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
[ النساء : 171 ] .
وحكاية اللّه أوثق من حكاية غيره ، هذا وجه .
وأمّا الوجه الثاني فقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ * ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما