تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] . والأرض يباتّفاق المحقّقين عبارة عن عالم الملك وعالم الأجسام ، كما أنّ السماوات عبارة عن الملكوت وعالم الأرواح ، وذلك لأنّ جميع ما يتعلّق بمصالح العبد في العوالم السفليّة وهو موقوف على حركات الأسباب العلويّة من الأفلاك والأجرام وأمثالها كما سبق ذكره في المقدّمات ، ويعضد ذلك قوله تعالى :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
[ السجدة : 5 ] .
إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
[ المعارج : 4 ] . ولقوله أيضا :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
[ غافر : 64 ] . وأمّا النعمة الباطنة بالنّسبة إلى الآفاق أيضا فمن الجبروت والملكوت إلى عوالم العقول والنفوس المسمّى بعالم المجرّدات والمفارقات وعالم الأرواح والنفوس الكاملات ، وذلك لأنّ جميع ما يصدر من الأسباب العلويّة من الأفلاك والأجرام وما تحتها وهو موقوف عليه فيضان عالم الجبروت والملكوت والعقول والنفوس الّذي هو فوقها ، لأن بقاء عالم الملك بدون بقاء عالم الملكوت محال وبقاء عالم الملكوت بدون عالم الجبروت محال كما عرفت هذا في ترتيب عالم المحسوس وعالم النفوس وعالم العقول ، فإنّ بقاء عالم المحسوس ليس إلّا ببقاء عالم النفوس وبقاء عالم النفوس ليس إلّا ببقاء عالم العقول وبقاء الكلّ ليس إلّا ببقاء موجد الكلّ الّذي هو الحقّ تعالى جلّ جلاله فيكون الكلّ من إنعامه ( . . . ) والكلّ ( . . . ) هذين العالمين الملك والملكوت ، قد سبق مرارا بأنّهما