والحال أنّه كامل في نفسه لقوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] .
والوجود كذلك فإنّه أيضا إنسان كبير بإزاء الإنسان الصغير ، وكلّ موجود في الوجود بمثابة عضو من أعضائه فلو نقص منه عضو مثلا أو زاد لا يكون كاملا في نفسه والحال أنّه كامل في نفسه فلا يكون فيه شيء إلّا ويكون في موقعه ويكون على صراط المستقيم وطريق القويم ، كما قيل « * » : ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم ، لأنّه لو كان وادّخره للزم إمّا البخل أو العجز وهما محالان على اللّه تعالى ، فكما أنّ كلّ عضو من أعضاء الإنسان وهو واقع على طريق المستقيم وطريق القويم وكذلك كلّ موجود من الموجودات العالم فهو واقع على صراط المستقيم وطريق القويم ، وذلك تقدير العزيز العليم ، وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إلّا العالمون .
وأمّا بيانه من حيث السلوك فذلك يحتاج إلى طلب وجدّ واجتهاد وأستاذ ومرشد وشيخ لأنّه موصوف بأنّه « أحدّ من السيف وأدقّ من الشعر » كما سبق ذكره ، فلو لم يكن للطالب أستاذا كاملا وشيخا عارفا يمكن أن يضلّ إلى أحد طرفيه وينحرف عن الحدّ الوسط الحقيقي ويدخل في النار كاليهود والنصارى الموصوف أحدهما باللعنة والغضب والآخر بالضلال والإضلال .
والدليل على الأوّل من النقل قوله تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
هامش
( * ) . قوله : كما قيل .
قاله أبو حامد الغزالي ، راجع شرح كلمات الصوفية ص 265 .