ظاهر الأمر كان للّه فلا جرم حسن تقديم الحمد ، أمّا ههنا فالعبادة لمّا لم يجز لغير اللّه قدّم إيّاك على نعبد لئلّا يبقي في الكلام احتمال لعبادة غير اللّه ، وكلام اللّه تعالى جلّ جلاله كما قيل :
لو أعطى العبد بكلّ حرف منه ألف ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع اللّه في آية منه وإنّما يفهم الإنسان منه بقدر إستعداده وفهمه وبقدر ما يفتح اللّه على قلبه من معانيه وأسراره وإلّا هو بحر لا ساحل له :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ الإسراء : 88 ] .
هذا ما عندي في قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وحيث فرغنا منه فلنشرع في قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
ونبيّنه أيضا تفسيرا وتأويلا كما شرطناه واللّه يقول الحقّ وهو يهدى السبيل .
القسم الخامس في بيان قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( في تعريف الهداية )
إعلم أنّ بحث الهداية والصّراط المستقيم قد سبق عند بحث التقوى في المقدّمة الأولى في معرض أنّ التقوى هي العلّة في الهداية الحقيقيّة إلى اللّه تعالى ، والعلّة في قراءة الكتاب الآفاقي والكتاب الأنفسي ، والكتاب القرآني الجامع بينهما لكن هذا المكان يحتاج إلى بحث آخر وتعريف