تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وفي قوله :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
*
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
[ الواقعة : 8 و 10 و 11 ] . والأبرار المذكور فيه عبارة عن أهل الآخرة كما بيّناه في الآيات المتقدّمة في قوله :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً
[ الإنسان : 5 ] . وفي قوله :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً
[ الإنسان : 6 ] . ومن هذا قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « كلّ شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكلّ شيء من الإخرة عيانه أعظم من سماعه » . [ نهج البلاغة : الخطبة 114 ] . لأنّ الأشياء الّتي في القيامة من قبيل الذوقيّات والكشفيّات وبل من المسموعات والعينيّات ، والأشياء الّتي في الدنيا من قبيل المحسوسات الجسمانيّات وبل من قبيل الوهميّات والظنيّات ، وأين هذا من ذلك مثال ذلك ، وهو أنّك لو اجتهدت غاية الإجتهاد بأن توصل إلى ذهن الغير البالغ أو العنّين مثلا ذوق الجماع ولذّة المعقولات ما تمكّنت لأنّها غير قابلة للعبارة ولا الإشارة ، غاية ما في الباب كنت تمثّل لأجله من تلك الملذّات بلذّة السّكر والأبلوح ولذّتهما بالنّسبة إلى لذّة الجماع وذوق المعقولات بون بعيد ، وكذلك حلاوة العسل وحموضة الخلّ بالنّسبة إلى من هو غافل عن الهاتين اللّذين أو الطعمين . وهذا أمر وجدانيّ ضروريّ يجد كلّ عاقل في نفسه ، وهكذا حال كلّ الذوقيّات بالنّسبة إل المحسوسات .