تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ الحديد : 4 ] . ولقوله تعالى :
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[ فصّلت : 54 ] . وهذا معنى قول السابق المنقول من الإمام عليه السّلام : « مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة » . [ نهج البلاغة ، الخطبة 1 ] . وهذه المعيّة أيضا كمعيّة الألف مع الحروف أو كمعيّة المداد معها لأنّ معية الألف مع الحروف معيّة ذاتيّة وجوديّة حقيقيّة صورة كانت أو معنى . وكذلك معيّة الحقّ مع الموجودات صورة كانت أو معنى ، فإنّه كذلك لأنّك إذا تحقّقت أنّ الوجود واحد وأنّه ليس في الخارج غيره عرفت أنّه هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، وعرفت أنّ صورة العالم صورته ومعناه معه بحيث لو غاب عنها طرفة عين لم يبق لها أثر لا ذهنا ولا خارجا وإن لم يكن هذا أصلا ، وهذا معنى قيّوميّة اللّه تعالى للخلق كقوله :
هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[ البقرة : 255 ] . وهاهنا دقيقة وهي أنّه ليس في هذه المعيّة لأحد مزيّة على الآخر لأنّه كالمداد بالنّسبة إلى كلّ الحروف ، لكن المزيّة بالمعيّة الإتصافيّة بصفاته والتخلّقيّة بأخلاقه وذلك أعزّ من الكبريت الأحمر والغراب الأبيض ،
وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
[ فصلت : 35 ] . وبيان ذلك مرّة أخرى كما سيجيء في موضعه إن شاء اللّه وهو أنّ معيّة الحقّ مع الخلق خلاف معيّة الخلق مع الحقّ ، لأنّ معيّة الحقّ مع الخلق بالوجود والذّات ، ومعيّة الخلق مع الحقّ بالكمالات والصفات وبينهما بون بعيد ولهذا كلّ عبد يكون إتّصافه بصفات الحقّ أكثر يكون هو إلى الحقّ
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 93 | السيد حيدر الآملي / السيد محسن الموسوي التبريزي