بخرق العادة الّتي النّاس عليها ، أعني حصول العلم بهذا عندنا .
غير أنّهم قالوا : هذا جماد لا يعقل ووقفوا عندما أعطاهم بصرهم ، والأمر عندنا بخلاف ذلك ، فإذا جاء عن نبيّ أنّ حجرا كلّمه ، وكتف شاة ، وجذع نخلة وبهيمة ، يقولون : خلق اللّه فيه الحياة والعلم في ذلك الوقت ، والأمر عندنا ليس كذلك بل سرّ الحياة في جميع العالم ، وأنّ كلّ من يسمع المؤذّن من رطب ويابس يشهد له ، ولا يشهد وإلّا من علم ، هذا عن كشف عندنا ، لا عن استنباط من نظر بما يقتضيه ظاهر خبر ولا غير ذلك .
ومن أراد أن يقف عليه فليسلك طريق الرّجال ( وليلزم الخلوة ) والخلوة والذّكر ، فإنّ اللّه سيطلعه على هذا كلّه عينا ، فيعلم أنّ الناس في عماية عن إدراك هذه الحقائق .
فأوجد العالم سبحانه ليظهر سلطان الأسماء ، فإنّ قدرة بلا مقدور ، وجودا بلا عطاء ، ورازقا بلا مرزوق ، ومغيثا بلا مغاث ، ورحيما بلا مرحوم ، حقائق معطّلة التأثير ، وجعل العالم في الدنيا ممتزجا :
( أوجد اللّه سبحانه العالم ليظهر سلطان الأسماء )
مزج القبضتين في العجنة ، ثمّ فصّل الأشخاص منها ، فدخل من هذه في هذه من كلّ قبضة في أختها فجهلت الأحوال .
وفي هذا تفاضلت العلماء في استخراج الخبيث من الطيّب ، والطيّب من الخبيث ، ( وغاية التخليص من هذه المزجة ، وتمييز القبضتين ) حتّى تنفرد هذه بعالمها وهذه بعالمها كما قال اللّه تعالى :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ
[ الأنفال : 37 ] .