بوساطة الحقّ تعالى وليست بموجودة فيكون الحقّ قد أوجدنا من موجود قديم فيثبت لنا القدم .
وكذلك لتعلم أيضا أنّ هذه الحقيقة لا تتّصف بالتقدّم على العالم ولا العالم بالتأخّر عنها ، ولكنّها أصل الموجودات عموما ، وهي أصل الجوهر ، وفلك الحياة والحقّ المخلوق به وغير ذلك وهي الفلك المحيط المعقول .
فإن قلت : إنّها العالم صدقت ، أو أنّها ليست العالم صدقت ، أو إنّها الحقّ أو ليست الحقّ صدقت ، تقبل هذا كلّه ، وتتعدّد بتعدّد أشخاص العالم ، وتتنزّه بتنزيه الحقّ .
وإن أردت مثالها حتّى يقرب إلى فهمك فانظر في العودية في الخشبة والكرسيّ والمحبرة والمنبر والتابوت .
وكذلك التربيع وأمثاله في الأشكال في كلّ مربع مثلا من بيت وتابوت وورقة ، والتربيع والعودية بحقيقتها في كلّ شخص من هذه الأشخاص .
وكذلك الألوان بياض الثوب والجوهر والكاغذ والدقيق والدّهان من غير أن تتصف البياضيّة المعقولة في الثوب بأنّها جزء منها فيه ، بل حقيقتها ظهرت في الثوب ظهورها في الكاغذ . وكذلك العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وجميع الأشياء كلّها ، فقد بيّنت لك هذا المعلوم وقد بسطنا القول فيه كثيرا في كتابنا الموسوم ب : « إنشاء الجداول والدوائر » .
ومعلوم ثالث ، وهو العالم كلّه : الأملاك والأفلاك وما تحويه من العوالم والهواء والأرض وما فيها من العالم وهو الملك الأكبر .
ومعلوم رابع ، وهو الإنسان الخليفة الّذي جعله اللّه في هذا العالم المقهور تحت تسخيره ، قال تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ الجاثية : 12 ] .