لأنّ المحيط هذا شأنه أعني لا يكون مخصوصا بجهة من الجهات ولا محاط من محاطات ، والحقّ تعالى محيط بالكلّ لقوله :
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[ فصّلت : 54 ] .
فلا يشاهد هذا المحاط العارف بهذا إلّا ذاته ، وقوله :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[ فصّلت : 54 ] .
إشارة إلى هذا الشهود ، ويعرف من هذا سرّ :
قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
[ النجم : 9 ] .
لأنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه واله في آخر الأمر عند نهاية عروجه إلى أوج السّماء الأحديّة المعبّر عنه بالمعراج المعنوي حيث حصل له هذا الشهود بجعل قوسي الوجوب والإمكان الّذي يحصل من فرض خط وهمّي بين دائرة الوجود المطلق قوسا واحدا ودائرة واحدة قال تعالى في حقّه :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
[ النجم : 9 ] .
لأنّ القوسين ههنا ليس إلّا الوجودين أي الوجود الواجبيّ الإلهي والوجود الإمكاني الخلقي اللّذان هما في الحقيقة واحد كما بينّاه : أنّ الوجود من حيث هو وجود واحد والباقي موجود بالإضافة إليه والتقييد .
( ليس في الخارج إلّا الوجود الواحد الحقيقي )
ومعلوم أيضا أنّ كلّ مقيّد مطلق مع قيد الإضافة ، والإضافة أمر عدميّ لا وجود لها في الخارج ، فلا يكون في الخارج إلّا الوجود الواحد الحقيقي الّذي به قيام كلّ موجود ، وهذا سرّ اسمي « الحىّ القيّوم » اللّذين بهما قيام كلّ حيّ وموجود .