( وان ) قلتم هذا أمر إعتباريّ في العقل ، والأمر الإعتباري لا يحصل منه الكثرة في الحقيقة ، وذلك الاعتبار هو اعتبار إمكانه واعتبار تعقّل موجده وتعقّل ذاته فحصل منه بكلّ اعتبار موجود من العقل والنّفس والفلك .
قلنا : لا نسلّم أنّ الأمر الإعتباري له صلاحيّة أن يوجد منه الأمر الوجودي أصلا .
وإن قلتم : إنّه أمر وجودي ، يبطل قولكم بأنّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد وكذلك إلى آخر الموجودات ، لأنّه يلزم أن لا يصدر من الموجود الّذي هو بعد العقل إلّا شيء واحد ، وكذلك الّذي بعده وليس كذلك بدعواكم .
وإن قلتم : بعد العقل يصدر الأشياء من العقل والنّفس وهما اثنان والاثنان مبدأ الكثرة .
قلنا : لم ما تسلمون في العقل الأوّل ولا باري تعالى جلّ ذكره بأنّ بعد العقل كلّ ما يصدر في الوجود يكون من اللّه بواسطة العقل ويكون الحقّ تعالى بهذا الوجه مبدءا للكثرة من غير نقص فيه ، كصدور الباء من الألف بغير واسطة وصدور الجيم من الألف بواسطة الباء والألف ، وكذلك إلى آخر الحروف .
هذا إذا قلنا من حيث التفصيل والتدريج ، فأمّا إذا قلنا من حيث الإجمال والدفع فصدر منه العالم دفعة واحدة من غير واسطة ، ثمّ صار كلّ واحد منه واسطة للآخر وإليه الإشارة بقوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
[ القمر : 50 ] .
وهاهنا أبحاث كثيرة أشرنا إليها في مواضعها فاطلب من هناك .