الأوّل صدر منه عقل ونفس وفلك مركب من الصورة والهيولى كما سبق ذكره .
وغرضهم من هذا تنزيه الحقّ عن الكثرة الوجوديّة والإعتباريّة وإيجاد أمثال هذه الموجودات من الجسمانيّات والرّوحانيّات ، وكلّ ذلك ينسبون إلى العقل الأوّل بوسائط ، والعقل الأوّل إليه من غير واسطة .
والحقّ أنّ هذا تعطيل لا تنزيه ، وحيث إنّ بعض اليهود كانوا قائلين بهذا الكلام في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله نزل قوله تعالى :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[ الرحمن : 29 ] .
وسبب ذلك أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه واله قال يوما من الأيّام :
« أنّ اللّه فرغ من أربع من الخلق والخلق والرّزق والأجل » .
فقال بعض اليهود : فالآن وهو معطّل ، قال الرّسول صلّى اللّه عليه واله لليهود : « مه يا عدوّ اللّه فإنّه ليس كذلك بل هو الفاعل دائما أزلا وأبدا بإيصال التقادير إلى المقادير » ونزل في الحال جبرئيل بالآية المذكورة وهو قوله تعالى :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[ الرحمن : 29 ] .
وأمّا جواب المتكلّمين للحكماء فهو أنّهم أمّا قولكم : « أنّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد » ، ممنوع ، فإنّ الحقّ تعالى واحد وصدر منه أشياء كثيرة خلاف دعواكم ، فإنّ هذا ليس كواحد آخر من الممكنات حيث قرّرنا إنّه لا يجوز أنّ يشبه الخالق بالخلق في ذات أو صفة أو فعل أو غير ذلك من الأوصاف ، وسلّمنا أنّه لا يصدر من الواحد إلّا الواحد فلم جعلتم العقل الأوّل موصوفا بالكثرة وأثبتّم أنّه صدر منه عقل ونفس وفلك مركّب من الهيولى والصورة ؟