حيوانيّة سارية في جميع البدن ، فيسمّى تلك الحياة ، روحا حيوانيّة مقرّها القلب ، وبها تكون قيام البدن .
وقسّام الحياة الحيوانيّة في البدن هذا الرّوح الحيواني ، وإذا حصلت هذه النشأة الكاملة لها فالزبدة من الغذاء الباقي في القلب إنجذب الدماغ إليه وأعطاها نضجا وكيلوسا آخر وحصل منها روحا نفسانيّا في الدماغ والحسّ والحركة في البدن مختصّة به .
فإذا تمّت هذه النشاءآت الثلاث في هذه المدّة تمّت مرتبة المواليد الثلاث من المعدن والنبات والحيوان وحصلت الأرواح الثلاثة المذكورة من الرّوح النباتي والحيواني والنفساني ، فلم يبق إلّا مرتبة الإنسان الّتي هي آخر المراتب وأعلاها ، فتلك يختصّ بعناية اللّه تعالى وحسن ألطافه بان يفيض على هذا البدن المسوّاة روحا إنسانيّا مطابقا لما في علمه السابق ليكمل له صورته ومعناه معا ، ويصدق عليه قوله بعد هذه النشاءآت :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] .
وقوله :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[ الحجر : 29 ] .
إشارة إلى هذا الترتيب ، لأنّ المراد بالتّسوية ترتيب هذه النشاءآت وتخليقه على هذه الصورة في هذه الأطوار ، وبإنشاء آخر إفاضة روح الإنسان المضاف إليه من الرّوح الأعظم الرحماني الّذي هو روح اللّه الأوّل الحقيقي ليصير به كاملا في الظاهر والباطن ويتمّ معناه وصورته ويطابق قوله بحكمه ( بحكمته ) :
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
[ غافر : 64 ] .