يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
[ النساء : 1 ] .
لأنّ النّفس الواحدة إشارة إلى المادّة المذكورة المرتوقة ، وبثّ الرجال والنساء منها إلى فتقها وإخراج الأنواع منها ، أعني من القوّة إلى الفعل ، أو من الباطن إلى الظاهر .
هذا البحث الثاني فقد تقرّر تقريره مبسوطا مشحونا بالآيات الأخبار بالنّسبة إلى الإنسان الكبير والصغير .
أمّا الكبير فبالّذي قلنا : إنّ أوّله كان ماء مع تراب ونار وهواء ، ثمّ سماء مخلوقا من دخان ، ثمّ الكواكب ، ثمّ المولّدات ، ثمّ أفاظ عليهم من الباري تعالى النّفوس والحياة على قدرهم ، أعني أوجد العناصر ، ثمّ الأجسام ، ثمّ الأفلاك ، ثمّ الأجرام ، ثمّ الأرواح المتعلّقة بهذه العوالم ، ثمّ المواليد ، ثمّ أرواحها ، ثمّ الإنسان الصغير .
وأمّا الصغير فبالّذي قلنا : إنّ أوّله نطفة ثمّ مضغة ثمّ علقة ثمّ عظاما ثمّ لحما ثمّ إنشاء آخر وهو إفاضة الرّوح على الجسد المركّب من هذه المراتب وهو قوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 - 12 ] .
ويشهد بذلك أيضا قول الشيخ الأعظم بالنّسبة إلى العالمين في أوّل فصّ آدم عليه السّلام وهو قوله :
« وقد كان الحقّ تعالى أوجد العالم كلّه وجود شبح مسوّى لا روح