تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ومنهم الحفظة لعباده ، والسّدنة لأبواب جنانه ، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، والمارقة من السماء العليا أعناقهم ، والخارجة من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم ، متلفّعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزّة وأستار القدرة . لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير ، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا يحدّونه بالأماكن ، ولا يشيرون إليه بالنظائر . ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها ، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت ، ولا طها بالبلّة حتّى لزبت ، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول ، وأعضاء وفصول ، أجمدها حتّى استمسكت ، وأصلدها حتّى صلصلت ، لوقت معدود ، وأمد معلوم . ثمّ نفخ فيها من روحه ، فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرّف بها ، وجوارح بختدمها ، وأدوات يقلّبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل ، والأذواق والمشّام والألوان والأجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة ، من الحرّ والبرد ، والبلّة والجمود ، واستأدى اللّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيّته إليهم ، في الإذعان بالسجود له والخشوع والخضوع ( والخنوع ) لتكرمته ، فقال سبحانه :
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ
[ البقرة : 34 ] . إعترته الحميّة ، وغلبت عليهم ( عليه ) الشقوة ، وتعزّز بخلقه النار ، واستوهن خلق الصلصال ، فأعطاه اللّه النظرة استحقاقا للسخطة ، واستتماما للبليّة ، وإنجازا للعدة ، فقال تعالى :