« إنشاء الخلق إنشا ، وابتدأه ابتداء ، بلا رويّة أجالها ، ولا تجربة استفادها ، ولا حركة أحدثها ، ولا همامة نفس اضطرب فيها . أحال الأشياء لأوقاتها ، ولأم بين مختلفاتها ، وغرّز عرائزها ، وألزمها أشباحها ، عالما بها قبل ابتدائها ، محيطا بحدودها وانتهائها ، عارفا بقرائنها واحنائها .
ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، وشقّ الأرجاء ، وسكائك الهواء ، فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره ، متراكما زخّاره ، حمله على متن الرّيح العاصفة ، والزّعزع القاصفة ، فأمرها برّده ، وسلّطها على شدّه ، وقرنها إلى حدّه ، الهواء من تحتها فتيق ، والماء من فوقها دفيق .
ثمّ أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبّها ، وأدام مربّها ، وأعصف مجراها ، وأبعد منشأها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخّار ، وإثارة موج البحار ، فمخضته مخض السقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء ، تردّ أوّله إلى آخره ، وساجيه إلى مائره ، حتّى عبّ عبابه ، ورمى بالزّبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق ، وجوّ منفهق ، فسوّى منه سبع سماوات ، جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا ، وعلياهنّ سقفا محفوظا ، وسمكا مرفوعا ، بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينظمها .
ثمّ زيّنها بزينة الكواكب ، وضياء الثواقب ، وأجرى فيها سراجا مستطيرا ، وقمرا منيرا ، في فلك دائر وسقف سائر ، ورقيم مائر .
ثمّ فتق ما بين السماوات العلا ، فملأهنّ أطوارا من ملائكته ، منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافّون لا يتزايلون ، ومسبّحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ، ولا سهوا لعقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النسيان .
ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره ،
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 128
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص١٢٨