تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
هامش
- الحقيقيّة » المخلوقة من ضلعه الأيسر لا الأيمن ، لأنّ ضلعه الأيمن ( مصروف ) إلى اللّه تعالى لا غير ، أعني ( مصروفا ) إلى الحقّ لا إلى الخلق ، لقوله تعالى :وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها[ سورة الأعراف : 189 ] . ولها أيضا أسماء كثيرة منها النفس الكلّيّة ، واللوح المحفوظ والكتاب المبين ، وغير ذلك من الأسماء بحسب اعتباراتها أيضا . ثمّ ظهر بواسطة هاتين الحقيقتين بصورة كلّ موجود في الوجود ، علما كان أو عينا ، بسيطا كان أو مركّبا ، لطيفا كان أو كثيفا من العقول والنفوس والأفلاك والأجرام والعناصر والمواليد ، لقوله تعالى :وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً[ سورة النساء : 1 ] . وكذلك إلى ما لا يتناهي ، أي وكذلك يظهر بصورة كلّ موجود بحسب الجزئيّات والكلّيّات أيضا ، إلى ما لا يتناهي . فليس في هذا العالم ، أو في هذا الوجود ، فاعل بالحقيقة إلّا هو ، ولا فعل إلّا له :أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ[ سورة الأعراف : 54 ] . هذا على مذهب أهل التحقيق من أرباب التوحيد وأهل الباطن ، وهاهنا دقيقة بل دقائق ، بسبب اسناد الأفعال كلّها إلى اللّه تعالى ، لأنّه ( أي هذا الرأي ) قريب إلى مذهب الأشعريّ ، ولكن ( عند التحقيق ) ليس كذلك . وأمّا على مذهب أهل الشريعة من أرباب الظاهر ، فإنّه تعالى خلق أوّلا جوهرة ، ثمّ نظر إليها ، فذابت وصارت نصفين ، فخلق من نصفها « عالم الأمر » ومن نصفها « عالم الخلق » ، لقوله تعالى :أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما[ سورة الأنبياء : 30 ] . وخلق بعد تلك الجوهرة جواهر أخر ، ثمّ الأجساد ، ثمّ الأعراض ، ثمّ الأفلاك ، ثمّ الأجرام ، ثمّ ابتداء الموجودات وإيجادها من العناصر ، وليس بين العبارتين فرق عند التحقيق . وأمّا على مذهب الحكيم فإنّه يقول : أوّل شيء صدر من اللّه تعالى هو العقل الأوّل ، ثمّ النفس الكلّيّة ، ثمّ الأفلاك ، ثمّ الأجرام إلى آخرها ، وكلّ ذلك عنده معلول له ، وهو علّتها ، أمّا بواسطة أو بغير واسطة ، وكذلك كان في الأزل و ( كذلك ) يكون إلى الأبد ، لأنّ انفكاك -