فإن قلت : كيف يصحّ أن يكون هذا القسم داخلا في السجود ، لأنّ من كان أبدا ساجدا كيف يتصوّر أن يكون مع ذلك متردّدا في الرسالة والنزول والصعود مختلفا بالأوامر والنّواهي إلى الرّسل عليهم السّلام .
قلت : إنّا بيّنا أنّه ليس المراد بسجود الملائكة هو وضع الجبهة على الأرض بالكيفيّة الّتي نحن عليها ، وإنّما هو عبارة عن كمال عبوديّتهم للّه تعالى وخضوعهم تحت قهر قدرته وذلّتهم برقّ الإمكان والحاجة تحت ملك وجوب وجوده ، ومعلوم انّه ليس بين السجود بهذا المعنى وبين تردّدهم بأوامر اللّه تعالى واختلافهم بقضائه على وفق مشيّته وأمره منافاة ، بل كلّ ذلك من كمال عبوديّتهم وخضوعهم لعزّته واعترافهم بكمال عظمته .
قوله : ومنهم الحفظة لعباده .
فاعلم ، أنّ في هذا القسم مطلوبين : أحدهما ما الحفظة ؟ والثّاني ما المراد منهم ؟
ثمّ الحفظة ، منهم حفظة للعباد ، كما قال تعالى :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[ سورة الرعد : 11 ] .
هامش
وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ[ سورة يس : 12 ] .وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ[ سورة هود : 6 ] .ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[ سورة الحديد : 22 ] .وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ[ سورة الأعراف :
34 ] .
فتأمّل أيّها القارئ العزيز أنّ هذه كلّها تشتمل على الأمور التكوينيّة وغيرها ممّا هو مرتبط بالإنسان من الأفعال والأرزاق وغيرهما ، وهذا معنى : « فكلّ ميسّر لما خلق له » ، فراجع تعليقنا 69 في الجزء الأوّل ، ولا ينافي هذا كلّه بأن يصدر أعمالنا وأفكارنا باختيارنا .