ومنهم من قال : إنهم اكتسبوا العلم من غير تقدّم نظر على جهة الخرق ، إكراما من اللّه تعالى لهم ، واللّه أعلم .
ولهم في هذا كلام لا تحتمل هذه التّعاليق بسطه ، لكنهم مجمعون على أنهم علموا من أول وهلة ، على أيّ وجه علموا : نظرا أو ضرورة .
فصل [ إبراهيم عليه السلام نبيّ الحجّة ]
وأوّل ما ينبغي أن نقدّم قبل الخوض في هذه المسائل الإعلام بأنّ إبراهيم عليه السّلام كان نبيّ الحجّة ، وهو أوّل من أصّل أصول الدّين بالاستدلال على علم التّوحيد .
وبه اقتدى رؤساء المتكلّمين في استدلاله بالثّلاثة الكواكب التي وردت في الكتاب كما سيأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
قال تعالى :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
[ الأنعام : 6 / 83 ] .
نرفع درجات من نشاء ؛ أي بالحجّة البالغة والعلوم العالية ، فكان قومه حرّانيّين « 1 » ينظرون في النّجوم ويردّون لها القضاء في الأفعال ، ويعبدون بعضها .
هامش
( 1 ) الحرّانيّون نسبة إلى مدينة حرّان ، وهي مدينة قديمة مشهورة ، فتحت أيام عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه ، وكانت مركزا حضاريا قديما قبل الإسلام . وهي الآن في تركية على حدود الشام . ومراد المؤلّف - رحمه اللّه - الإشارة إلى مذهب اشتهر به أهل هذه المدينة ، وهم الصابئة ، وفي الملل والنحل للشهرستاني 2 / 53 ، أن إبراهيم عليه السلام في حجاجه قومه قرّر مذهب الحنفاء وأبطل مذاهب الصابئة .
وقد أفرد الشهرستاني فقرة لفرقة الصابئة سمّاها الحرنانية 2 / 54 ، وقد وقفت على كتاب فيه طرافة عنوانه : ( مفاهيم صابئية مندائية ) تأليف ناجية حراني صرحت بأنّها منهم ، وزعمت أنّ الصّابئة يتوجهون إلى الشمال ( الأعلى ) على سمت نجم القطب ، فلذلك قيل فيهم إنهم يعبدون النّجوم أو يقدّسونها ، في كلام طويل .
وفي هذا الكتاب ص 56 أنّه يقال في الصّابئة حرّانية وحرنانيّة .