تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
لتوقف عن هذا القول حتى يرى هل يغرب أم لا يغرب ، وأما قوله في الشمس فيجب أن يتأكد الإنكار عليه لتأكد تكرار التجربة منه في الكواكب والقمر . وهذه الأقوال كلها لو قدرت لأحد منا لأنكرها كل الإنكار فإن فيها غاية الحيرة وعدم الاستدلال ، فكيف تثبت لخليل الرحمن الذي أراه ملكوت السماوات والأرض حتى كان يرى ويسمع صريف القلم « 1 » في اللوح المحفوظ ؟ وكان يسمع خفقات قلبه من خشية اللّه على فرسخ ؟ فإذا بطلت في حقه - بل في حق العقلاء المستدلين - هذه الأقوال لم يبق إلا أنه قالها من باب مقابلة الفاسد بالفاسد ليقيم الحجة على قومه في التغير بالأكوان الدالة على الحدوث ، ويعضد ذلك قوله لهم في الشمس :
هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ
[ الأنعام : 6 / 78 ] يعني أكبر جرما وأبهر ضياء ، وأنفع لأهل الأرض ، من كل ما دونها من الكواكب ، وهي تتغير كتغيرها ، وليس بعدها ما ينتظر
يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
[ الأنعام : 6 / 78 ] ، إلى قوله :
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ
[ الأنعام : 6 / 80 ] . والبارئ تعالى يخبر أنه نادى قومه وناجاهم ، وحاجوه وحاجهم ، ورد عليهم . وهم يقولون إنه خرج من المغارة وحده ، واستدل وغلط وتحير وقال : هذا ربي في الكواكب الثلاثة ، فلو كان صغيرا كما زعموا لم يكن له قوم يناديهم ويحاجهم ويحاجونه ، ولو كان أيضا لم ير الكواكب إلا تلك الليلة كما زعموا ، لم يقل في الشمس على الإطلاق « هذا ربي هذا أكبر » ، مع تجويز طلوع أكبر منها فلولا ما رأى الكواكب قبل ذلك لم يقل : هذا أكبر . وهذا جزاء من يتكلم في أمور الأنبياء عليهم السلام ، قبل أن يتمرن في علم ما يجب لهم ويستحيل عليهم .
هامش
( 1 ) صريف القلم : صوت صريره على الورق وما يكتب عليه من أشياء .