تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
فكان هو يقصد الاحتجاج عليهم في حدوثها بتغيرها وتبدّل أحوالها ، فخرج مع أهل الرّصد ليلا لينبّههم على حدوثها بتغيّرها مع تسليم مذهبهم الفاسد لهم جدلا ، وقصده : مقابلة الفاسد بالفاسد فإنّه من وجوه النظر . والأظهر في طريقة التّنبيه على الحدوث الاستدلال بالأكوان ، فإنّ الحركة يعلم حدوثها ضرورة لكونها تقطع الحيّز بعد الحيّز بحركة بعد حركة . فمن رأى ساكنا يتحرّك علم تغيّره ضرورة ، فنظر عليه السّلام فرأى كوكبا فقال لقومه :
هذا رَبِّي
يعني على ظنّكم وحسابكم ، ففرحوا بقوله وظنوا أنّه رجع إلى مذهبهم ، فلمّا أفل رجع لهم عن قوله الأول بقوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
! . فعلموا إذ ذاك أنّه رجع عن مذهبهم بحجّة بالغة ، والدّليل على صحة ما رمناه من أنّه قال
هذا رَبِّي
على جهة التّعنيت « 1 » لهم ، وإقامته الحجّة عليهم لعلهم يتفطّنون ويتعلمون منه وجوه الاستدلال . ويتصوّر الردّ فيه على القائلين بأنّه استدلّ وغلط وتحيّر من ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه لو قال :
هذا رَبِّي
على جهة الاعتقاد والتّصميم لكان كافرا في تلك الليلة إلى حين غروب الكوكب « 2 » . وكذلك يلزم في قوله في القمر والشّمس ، ومن اعتقد هذا فقد أعظم عليه الفرية ، وردّ ما علم من دين الأمّة في أنّ نبيا ما كفر قطّ عقدا ولا لفظا كما تقدّم . وغايته أن لو كان ما زعموه لتوقف على دءوب النّظر حتى يعلم الحقّ حقا لكون الناظر في حال نظره ، لا يحكم له بكفر ولا بإيمان كما تقدّم . الثاني : أنّه لو كان يثبت إلهيّة الكوكب عند الطّلوع من أجل ظهوره وينفيها عند الغروب من أجل غروبه لقامت عليه حجّة الخصم بأن يقول له : إذا أثبتّ إلهيّة
هامش
( 1 ) عنّته : أي شدّد عليه وألزمه بما يصعب عليه أداؤه . ( 2 ) ينظر ما قاله المفسّرون من وجوه ، لخّص أكثرها القرطبي في الجزء السّابع ، وممّا رواه أن إبراهيم عليه السلام قال ما قال في حال الطفولية ، وأنّه غير جائز أن يكون للّه تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو موحّد للّه تعالى وبه عارف .