وهذا الخطاب لغير النبي عليه الصلاة والسلام ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يدخر شيئا لغد ، وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه .
وقد كان كثير من فضلاء أصحابه ينفقون في سبيل اللّه جميع أملاكهم ، فلم يعنفهم النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم .
وإنما نهى اللّه تعالى عن الأفراط في الإنفاق ، وإخراج جميع ما احتوت عليه يده من المال ، من خيف عليه الحسرة على ما خرج من يده ، فأما من وثق بموعود اللّه تعالى وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية .
وقد روي أن رجلا أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فسلم إليه مثل بيضة من ذهب ، فقال : يا رسول اللّه ، أصبت هذه من معدن واللّه ما أملك غيرها ، فأعرض عنه ، فعاد ثانيا فأعرض عنه ، فعاد ثالثا فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام ورماه بها لو أصابته لعقرته ، وقال : « يأتيني أحدكم بجميع ما يملكه ثم يقعد ويتكفف وجوه الناس » « 1 » .
وكان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ذا مال كثير ، فأنفق جميع ماله على النبي عليه الصلاة والسلام ، وفي سبيل اللّه ، حتى بقي في عباءة ، فلم يعنفه النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه .
فكل ذلك يدل على أن ذلك ليس بمخاطبة للنبي عليه الصلاة والسلام ، وإنما خوطب به غيره مثل قوله تعالى :
( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ )
« 2 » .
( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ )
« 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في الشطب .
( 2 ) سورة الزمر آية 65 .
( 3 ) سورة يونس آية 94 .