تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
التبرم على الولد عند ضعف الوالدين وحاجتهما إلى بره ، ولم يقتصر تعالى على هذا القدر في بيان حقهما حتى قال :
( وَلا تَنْهَرْهُما )
، مؤكدا لما تقدم ودالا به على أن الواجب في بره لهما سلوك طريقة اللين في القول : ثم قال :
( وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً )
، والكريم من القول ما يوافق مسرة النفس ، ولا ينفر عنه الطبع . ثم أمر بمزيد التواضع فقال :
( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ )
« 1 » ، وهذا الكلام في أعلى مراتب الفصاحة والتعبير عن المقصود بلفظ المجاز ، لأن الذل ليس له جناح ، ولا يوصف بذلك ، ولكنه أراد المبالغة في التذلل والتواضع ، وهو كقول امرئ القيس في وصف الليل :
فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل
يصف الليل المتقدم على هذا البيت في قوله :
وليل كموج البحر أرخى سدوله * عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
وليس لليل صلب ولا إعجاز ولا كلكل فهو مجاز ، وأراد به تكامله واستواءه . ثم بين اللّه تعالى أن الذي يلزمه لهما ليس مقصورا على منافع الدنيا ، بل يلزمه مع ذلك ما يمكن في باب الآخرة من الدعاء ، لأنه لا يقدر منهما على ما سواه ، فقال :
( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً )
« 2 » . بين العلة في لزوم الدعاء لهما ، وبين أنه يلزم الولد من الدعاء للوالدين ، أكثر مما يلزمه في غيرهما .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء آية 24 . ( 2 ) تابع الآية 24 من سورة الإسراء