لما أوجب سبحانه القتال في سبيل اللّه عقّبه بذكر الانفاق فيه . ومعناه :
وأنفقوا من أموالكم في الجهاد وطريق الدين وكل ما أمر اللّه به من الخير وأبواب البر فهو سبيل اللّه لأن السبيل هو الطريق . . فسبيل اللّه : الطريق إلى اللّه ، وإلى رحمته وثوابه ؛ إلا أنه كثر استعماله في الجهاد لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود .
« وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ »
وفي معناها وجوه :
منها لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم بترك الانفاق في سبيل اللّه فيغلب عليكم العدو .
أو : لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة .
أو : لا تقتحموا الحرب بلا قدرة على الدفاع .
أو : لا تسرفوا في الانفاق . . وقيل غير ذلك . .
والأولى حملها على جميع هذه الوجوه ولا تنافي فيها .
وفي هذه الآية دلالة على تحريم الإقدام على ما يخاف منه على النفس ، وعلى جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف ، لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة .
وفيها دلالة على الصلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين ، كما فعله رسول اللّه ( ص ) عام الحديبية ، وفعله أمير المؤمنين ( ع ) في صفين ، وفعله الحسن ( ع ) مع معاوية من المصالحة لمّا تشتت أمره وخاف على نفسه وشيعته .
فإن عورضنا بأن الحسين ( ع ) قاتل وحده فالجواب أن فعله يحتمل وجهين : أحدهما : انه ظنّ انهم لا يقتلونه لمكانه من رسول اللّه ( ص ) والاخر أنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا كما فعل بابن عمّه مسلم بن