إلا بوجهين : أحدهما : الوعيد وما يتصل به . والثاني : الألطاف وإزالة المفسدة وما يتصل بهما ، على ما سنبينه .
894 - مسألة في الأدلة التي لا يصح التكليف إلا مع نصبها
اعلم أن المكلف لا بد من أن يكون عالما بما كلف على جملة أو تفصيل ليميزه من غيره . وإلا لم يحسن تكليفه ، فصار تعريفه ما كلف بمنزلة الإقدام عليه والتمكين منه ، في أنه لا بد منه ، وإلا قبح التكليف . فإذا ثبت ذلك ، وكان تعريفه ما ذكرناه ، قد يكون بوجهين : أحدهما : أن يعلمه صلاحا باضطرار حاله .
والثاني : أن يدله عليه . فلا بد من حصول أحد الوجهين في سائر ما كلف ، فما حسن الاضطرار فيه فلا بد من أن يضطره تعالى إليه . وما لا يحسن ذلك فيه ، أو كان الاستدلال فيه أولى في الحكمة ، فلا بد من أن يدل عليه . ولا يجوز أن يكلف فعلا ويخليه من تعريفه حاله من كلا هذين الوجهين . وقد صح أنه تعالى قد عرفنا ما كلفنا بالوجهين جميعا ؛ لأنه أعلمنا باضطرار أن الظلم قبيح ، وكلفنا الامتناع منه ، وأن شكر النعمة واجب ، ورد الوديعة كمثل ، وكلفنا الإقدام عليها ، وعرفنا ما لنا من الفضل بالاختيار ، فندبنا إلى فعله .
فأما ما عرفنا بالاستدلال مما لا يتعلق بفعل ما كلفناه ، فتفصيله كثير مما ذكرنا جملته ، وسائر الشرائع ، وما يعلم قبحه وحسنه ووجوبه من جهة العقل والشرع ، وتفصيل ذلك يكثر ، وما أوردناه من الجملة يكفى فيه . ومحصول الأدلة والبيان مما يمكن المكلف عند التفكر فيه أن يتوصل به إلى المعرفة ، بما دخل تحت التكليف ، فهذا هو الذي لا بد منه . والزيادة على الأدلة قد يكون الصلاح في أن يفعله تعالى ، وقد يستوى بفعله وأن لا يفعل . فمتى كان صلاحا وجب في الحكمة أن يفعله ،