فهذا الباب مما عدمه لا يوجب قبح التكليف ، والذي يوجب قبحه فقد التمكن منه . وهذا كنحو الشرائع التي كلفناها ، لأنا مكنا منها وأوجد السبيل إليها ، فإن لم نفعلها ولم نختر لأجل ذلك سائر ما كلفناه عقلا ، فمن قبل أنفسنا أتينا .
وهذا الوجه هو الذي إنما يكون لطفا بأن يقع من المكلف على وجه مخصوص ، لا يتم إلا بالخضوع والتذليل وضروب من المفاصيل . لأن ما يفعل منه من ذلك لا يتم إلا بأن يباشر فعله في الوجه الذي ذكرناه ، فيصير من حيث يقع من فعله ، كأنه مخالف لما يقع من فعل غيره ، في الوجه الذي ذكرناه .
وأما ما يكون لطفا من فعل غير المكلف والمكلف ، فالقديم تعالى لا بد من أن يمكنه ، ولا بد من أن يكون العموم من حاله أنه سيفعله لا محالة ، ومتى لم يكن كذلك لم يتم اللطف . وقبح التكليف . وهذا نحو تعبد اللّه تعالى للأنبياء عليهم السلام لأداء الرسالة ، لأن ذلك إنما يحسن لأنه لطف ، فمتى ما لم يعلم من حالهم أنهم سيقومون بالأداء على الوجه الذي كلفوا ، لم يحسن من اللّه تعالى أن يكلف من بعثهم إليه لطفا له ومصلحة .
فعلى هذا الوجه يجب أن يجرى هذا الباب . ولا رابع لها البتة .
897 - مسألة فيما ذكرناه من أنواع اللطف
اعلم أن في جملة الألطاف التي نذكرها ما لا نقطع من حاله أن عنده يختار المكلف الفعل لا محالة ، لكنه متى خاف المكلف عنده من عقاب إن هو لم يفعل ما كلفه ، يصير حكمه ، بحصول أخوف ، حكم اللطف في الحقيقة . وهذا بمنزلة ما نقوله من أن معرفة اللّه تعالى لطف للمكلفين ، لأن « 1 » عندها يعرف الثواب
هامش
( 1 ) في الأصل : أن .