الغرض ، فلا بد من أن يفعل ما يتم ذلك به ومعه ، ولن يتم ذلك إلا بأن يجعله مشتهيا لما كلفه الامتناع عنه ، أو في حكم المشتهى ، ونافر الطبع عما كلفه ، أو في حكمه ؛ لتصير الطاعة شاقة عليه ، فيستحق بها الثواب ، ويصير امتناعه عن المعصية كمثل ، فيستحق بأن لا يفعلها الثواب . ومتى لم يجعل المكلف بهذه الصفة ، لم يجز أن يستحق الثواب ، لأنه لا يجوز أن يستحق النفع على ما يختاره من المنافع ، ولا بما يستحقه على ما تحمل [ من ] المضار ! يبين ذلك أن أحدنا لا يستحق الأجرة على أكل اللذات ، ويستحقها على الصناعات وسائر ما يشق ، لكنه قد ثبت أن المكلف إذا قدر في الفعل أن يشتهيه شق عليه الامتناع من الاشتهاء إلى ما دونه ، ويشق عليه تصبير نفسه على بعض المشتهيات دون بعض ، فيصير حابسا لنفسه إلا على ذلك ، فأقيمت هذه الوجوه مقام أن يعلم نفسه مشتهيا ، في ثبوت التكليف معها ، من حيث علم أنه في جميعها يشق عليه الامتناع ، كما يشق عليه ذلك فيما يعلم نفسه نافرا عن الشيء ، أو يقدر ذلك فيه ، أو يؤثر في آلاته أو تقوية المنافع ، أو يقصر به عن الحد الزائد في ملاذه ، في أنه يشق عليه مع جميع ذلك الإقدام ، فسواء بين الكل في أنه يجوز أن يكلف معه .
فهذا هو الذي يجب أن يحصل عليه المكلف ليحسن تكليفه [ و ] لو صح أن يكون ممن لا يشق عليه ، لوجب في الحكمة أن لا يجعل على هذه الصفة ، لأن الغرض تعريضه للثواب دون العقاب ، بل الغرض تنقيذه من العقاب ، ولو صح أن ينقذ منه ، والحال ما ذكرنا ، لوجب أن يجعل كذلك ، لكنه لما كانت الشرائط التي معها يستحق الثواب يحصل معها الشروط التي لكونه عليها يستحق العقاب بالقبيح ، وحسن في الحكمة تعريضه للثواب ، حسن في الحكمة أن يجعل بحيث يصح أن يستحق العقاب بالمنع الذي لا يؤثر في التكليف ، ولا يكون ذلك المنع
متشابه القرآن — صفحة 717
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧١٧