ومن سورة القدر
861 - قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
[ 1 ] يدل على حدثه لأنه « 1 » اختار إنزاله في حال دون حال ، وذلك لا يصح فيما ثبت أنه قديم .
862 - وقوله تعالى :
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
[ 3 ] يدل على أن الطاعة أعظم ؛ وذلك يقتضى أن الطاعة من فعل العبد ؛ لأنه لو كان مخلوقا فيه لم يكن لتفضيلها على غيرها معنى ، وإنما صح ذلك على قولنا ؛ لأن الطاعة في بعض الأوقات تكون أدعى إلى الطاعة المستقبلة من غيرها من الطاعات أو تكون أدعى لغيره إلى التأسي من غيره . ولو كان تعالى هو الخالق لهذه الأفعال في الإنسان لما صح ، لما ذكرناه . بل قولهم يوجب أن لا يصح أن يفضل فعل على فعل ، وذلك أن لفضل الطاعة علة لأجلها كانت كذلك ، لأنها لا تفضل بحسنها ووجوبها ، وقد علمنا في الطاعتين أن إحداهما تفضل الأخرى وإن كانا في الحسن ووجوبهما ووقوعهما على وجه واحد لا تختلفان . فالعلة في ذلك ما قدمناه .
وذلك لا يصح إلا مع القول بأن العبد عند بعض الأمور يكون أقرب إلى الطاعة عند خلافه . وذلك يوجب أن تصرفه فعله ، وأنه ليس بخلق اللّه تعالى فيه .
863 - وقوله :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
[ 4 ] لا يفيد إلا على ما نقوله . لأن إثبات الملائكة بجميع الأمور في تلك الأمور « 2 » وإنزالهم بها من قبل اللّه تعالى ، إنما يفيد إذا صار داعيا للعبد إلى الطاعة عند الفكر في ذلك ؛ لأنه تعالى عالم لذاته لا يحتاج فيما يعلمه إلى إثباته في كتاب .
ولو قيل : إنه لطف للملائكة ، لدل على ما قلناه أيضا .
هامش
( 1 ) في الأصل : لأن .
( 2 ) كذا في الأصل .