لكي تختلف الأصوات والنظم في الكلام ، فيفصل بين متكلم من متكلم ، كما خالف بين الألوان ، ليقع للمشاهد التمييز .
هذا لو ثبت أن ظاهره يقتضى أنه خلق اختلاف الألسنة ، فكيف والطاهر لا يقتضيه ؛ لأنه تعالى قال :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
ورجع إلى الآيات ، فكأنه قال : ومن آياته اختلاف ألسنتكم ، وهذا إنما يوجب أنه دلالة على اللّه تعالى ، ولا يمتنع عندنا في أفعال العباد أن تساوى أفعاله تعالى في كونها دلالة ، فلا ظاهر للقوم يتعلقون به .
والأولى ألا يكون المراد بقوله :
وَأَلْوانِكُمْ
ظاهر الألوان ؛ لأنه لا يحصل فيه من الاعتبار ما تقتضيه الآية ، والمراد بذلك « 1 » التي يعظم اختلافها ، حتى لا يقع فيها تشابه . ولو كان المراد به اللون ، وأجناسه محصورة ، لوجب أن يكون الاختلاف إنما يقع بين الأسود والأبيض ، ولا يقع بين الأشخاص البيض ، وهذا بعيد . فالمراد به إذن ما قلناه ، من أنه خالف بين الصور « 2 » لكي يقع التمييز ، فيصل العبد إلى منافع دينه ودنياه ، وخالف بين أنواع الألسنة ، فاختلف لذلك الأصوات والنغم فوقع التمييز ، لكي يصل أحدنا إلى ما يحتاج إليه في دينه ودنياه .
وقد تأول بعض شيوخنا ، رحمهم اللّه ، ذلك على أنه تعالى هو خلق اللغات أولا وعلّمها ، وهو الذي أراده بالكلام . وما قدمناه أولى بالآية ؛ من حيث لا يخفى الحال فيها على كل مستدل ، وليس كذلك هذا القول .
578 - وقوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، ولعل الصواب : الصور
( 2 ) وعده في الأصل خرم بمقدار ثلاث كلمات