ومن سورة الروم
574 - دلالة : وقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
[ 8 ] يدل على أنه تعالى لم يفعل ولا يفعل القبائح ، وذلك أنه لو كان فاعلا لها لم يصح أن يقول : ما خلقهما وما بينهما إلا بالحق ، لأن الباطل لا يجوز أن يكون مفعولا بالحق ؛ ألا ترى أن الرجل إذا قال لغريمه : لا آخذ منك هذا المال إلا بالحق ، أن ذلك يدل أنه يأخذه على وجه يحسن ، ولو كان تعالى يفعل القبيح لم يوثق في شيء مما فعله أنه خلقه بالحق ، بل كان يجوز أن يكون فاعلا له على وجه العبث والظلم ، لأنه مالك ، ولأنه يفعل في ملكه ما يريد .
وقول من يقول : إن المراد بقوله :
إِلَّا بِالْحَقِّ
: قال كن فكان ، جهل ، لأن ذلك لا يعرف في اللغة ، فيمنع أنهم يعرفون الحق والباطل ، وما يقتدى به ، فكيف يجوز أن يحمل عليه ؟ وكأنه تعالى أراد أن يبين أنه خلق جميع ذلك على وجه الحكمة ، لكي يعتبر المكلف ، ويستدل ، فيصل إلى المطلوب ، ويؤديه ذلك إلى الفوز والنجاة ، وذلك لا يتم إلا على قولنا في العدل .
ومن وجه آخر ، وذلك أن الآية تدل على أنه تعالى بعث بهذا القول على التفكر في خلقهما وما بينهما ، والاستدلال بذلك ، وهذا لا يتم متى قيل :
إن المعرفة ضرورة ، لأنه تعالى إذا خلقها فيه استغنى عن التفكر ، وإن لم يخلقها ، وخلق الجهل بدلا منها ، فلا وجه للتفكر ، وبمثل ذلك أبطلنا قول أصحاب المعارف ، وبينا أن مع الاضطرار لا يصح البعث على التفكر والاستدلال بهذه الأمور !