فيمن يتحمل المشقة المؤذنة بالمخوف : « 1 » « ليس من البر الصيام في السفر » « 2 » .
ومن وجه آخر ، وهو أنه تعالى إذا امتن علينا بأنه لا يريد بنا العسر الذي هو تحمل المشقة بالصوم : رحمة بنا ورأفة ، فكيف يجوز أن نتصور أنه يريد مع ذلك بالعبد أن يكفر ويخلد بين أطباق النيران ؟ . ولو أن أحدنا أقبل على ولده فقال : لا أريد منك مع إشفاقى عليك أن تنصرف في أيام القيظ ، لم يجز أن يتصور مع ذلك أنه يريد أن يعذبه بالنار ، وهذا مما يأباه العقل ! .
ويمكن أن يستدل بظاهر الآية فيقال : إنه تعالى أطلق الكلام فقال :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وإن كان عقيب ذكر الصوم .
ولا يجب في الكلام المطلق المستقل بنفسه أن يحمل على سببه « 3 » ، وإطلاقه يقتضى أنه تعالى لا يريد بنا العسر على كل وجه . ولو أراد الكفر والمعاصي لكان قد أراد ذلك ؛ لأنه أعظم ما يوصف بذلك ، لأن العسر هو الذي يضرّ ، أو يؤدى إلى مضرّة عظيمة ، وليس في جملة الأفعال أعظم في هذا الباب من الكفر .
هامش
( 1 ) ف : الخوف .
( 2 ) سقط من د قوله : « من البر » . والحديث في البخاري من رواية جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنه ، بلفظ : ( ليس من البر الصوم في السفر ) . قال جابر : كان رسول اللّه صلى عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : صائم ، فقال :
( ليس من البر . . . ) الحديث . صحيح البخاري في كتاب الصوم : 3 / 34 ، طبع بولاق وأخرجه مسلم برواية جابر ، من طريق واحد ، بلفظ : ( ليس البر أن تصوموا في السفر ) مسلم بشرح النووي : 7 / 233 ، الطبعة الأولى 1347 . ورواية المؤلف ذكرها أبو عيسى الترمذي في جامعه ، وقال : حديث جابر حسن صحيح الترمذي بشرح ابن العربي :
3 / 231 ، الطبعة الأولى 1350 مصر .
( 3 ) في د : تسببه ، وانظر ما استدل به القاضي على : ( أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغب فيه من العبادات ، وأنه لا يريد شيئا من القبائح بل يكرهها ) المغنى : 6 المجلد الثاني 218 - 255 ، حيث جاءت الآية المذكورة دليله الثالث عشر على هذا ، ص : 248 - 249 .