تعالى إن صيّرهم كفارا أو خلق فيهم المعاصي وما يؤدى إلى الهلاك ، كيف يصح أن ينهاهم عن ذلك ؟ وكيف يصح - على طريق الإنعام - أن يقول ذلك ، وهو الذي يطرحهم في المهالك ! ؟
وكيف يقول تعالى :
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
وهو الذي خلق الإحسان ؟ ومحبته للإساءة والفساد عندهم كمحبة الإحسان ؛ لأن المحبة هي الإرادة ، ولذلك كل ما « 1 » أحبه الإنسان فقد أراده ، وكل ما « 2 » أراده ، فقد أحبه ، ما لم يستعمل في إحدى اللفظتين على جهة الاتساع ، فليس لأحد أن يجعل المراد بالمحبّة المدح أو ما يجرى مجراه « 3 » .
65 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه جسم يجوز عليه المجيء والذهاب « 4 » ، فقال :
« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ »
[ 210 ]
والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام لا يصح أن يقول به قوم ؛ لأنه يوجب أنه تعالى يأتيهم في ظلل من الغمام ، بمعنى أنه مكان له وظرف ، وهذا يوجب أنه أصغر من الظلل والظلل أعظم ، ويوجب أن تكون الملائكة معه في الظلل ؛ لمكان العطف . وذلك يوجب اجتماعه والملائكة في الظلل ،
هامش
( 1 ) في د : « كلّما » في الموضعين .
( 2 ) في د : « كلّما » في الموضعين .
( 3 ) قال القاضي . « اعلم أن المحب لو كان له ، بكونه محبا ، صفة سوى كونه مريدا ، لوجب أن يعلمها من نفسه ، أو يصل إلى ذلك بدليل ، وفي بطلان ذلك دلالة على أن حال المحب هو حال المريد ، ولذلك متى أراد الشيء أحبه ، ومتى أحبه أراده ، ولو كان أحدهما غير الآخر لامتنع كونه محبا لما يريد ، أو مريدا لما يحب على بعض الوجوه » وقد عقد في المغنى - 6 - فصلا « في أن المحبة والرضا والاختيار والولاية ترجع إلى الإرادة وما يتصل بذلك » ناقش فيه قول من قال : إن اللّه تعالى لا يجب كونه محبا لما يريده ، وانتهى إلى القول :
بأنه تعالى إذا صح كونه مريدا فيجب كونه محبا ، وكل ما صح أن يريده تعالى صح أن يحبه ، وكل ما أوجب قبح محبته ، أوجب قبح إرادته » .
انظر المغنى : الجزء السادس ( الإرادة ) ص : 51 فما بعدها
( 4 ) ف : والزوال .