62 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يريد الفساد ، فقال :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
« 1 » .
والجواب عن ذلك : أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه يأمر بالفساد والاعتداء ، وليس ذلك بمذهب لأحد ، لأن من يجوّز أن يريد الفساد لا يجوّز أن يأمر به ويبيحه .
والمراد بذلك : أنه أمرنا بالمجازاة على الاعتداء والانتصاف من المعتدى ، وأجرى الاسم عليه على سبيل المجاز ، على ما قد بيناه من قبل « 2 » .
ثم يقال للقوم : يجب على قولكم أن يكون تعالى فعل الاعتداء أولا ثم فعله ثانيا ، وما حلّ هذا المحل لا يكون حسنا ، ولا يصح كونه جزاء ومقابلة .
وقوله تعالى من بعد :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
يدل على أنه أمر فيما تقدم بالمجازاة وأن لا يتجاوز المكلف ذلك إلى المحظور فلا يكون متقيا . وقد بينا أن الأمر والنهى ، والمدح ، والذم ، والتوبيخ ، واللوم ، والاستبطاء ، والثواب ، والعقاب ، والوعظ ، والإنذار ، وسائر ما في القرآن من ذلك ، لا يصح إلا إذا قيل : إن العبد يفعل ويختار فيختص بهذه الأحكام .
63 - مسألة : وقوله تعالى بعد ذلك :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
لا تعلق للمشبهة به « 3 » ، لأنه إنما أراد : أنه معه في معونته وتأييده وإثابته وحفظه في هذه الوجوه ، والدفع عنه ، ولذلك خص به المتقين .
64 - مسألة : وقوله تعالى من بعد :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[ 195 ] من أوضح ما يدل على العدل ، لأنه
هامش
( 1 ) قال تعالى :( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )سورة البقرة 194 .
( 2 ) انظر الفقرة : 20 .
( 3 ) في د : للمشيئة .