الثاني : أنه دعا لهم بالسلامة ، وهو قول الجمهور ، لأن التحية بالسلام تقتضي السكون والأمان ، قال الشاعر « 369 » :
أظلوم إن مصابكم رجلا * أهدى السّلام تحية ظلم
فأجابهم إبراهيم عن سلامتهم بمثله :
قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
لأنه رآهم على غير صورة البشر وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم ، فنكرهم وقال
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
وفيه وجهان :
أحدهما : أي قوم لا يعرفون .
الثاني : أي قوم يخافون ، يقال أنكرته إذا خفته ، قال الشاعر « 370 » :
فأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ
فيه وجهان :
أحدهما : فعدل إلى أهله ، قاله الزجاج .
الثاني : أنه أخفى ميله إلى أهله .
فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
أما العجل ففي تسميته بذلك وجهان :
أحدهما : لأن بني إسرائيل عجلوا بعبادته .
الثاني : لأنه عجل في اتباع أمه .
قال قتادة : جاءهم بعجل لأن كان عامة مال إبراهيم البقر ، واختاره لهم سمينا زيادة في إكرامهم ، وجاء به مشويا ، وهو محذوف من الكلام لما فيه من الدليل عليه .
فروى عون بن أبي شداد أن جبريل مسح العجل بجناحه فقام يدرج ، حتى لحق بأمه ، وأم العجل في الدار .
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
لأنهم امتنعوا من الأكل لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ، فروى مكحول أنهم قالوا لا نأكله إلا بثمن ، قال كلوا فإن له ثمنا ، قالوا وما ثمنه ؟ قال : إذا وضعتم أيديكم أن تقولوا : بسم اللّه ، وإذا فرغتم أن تقولوا : الحمد لله ، قالوا : بهذا اختارك اللّه يا إبراهيم .
هامش
( 369 ) هو العرجي والبيت من شواهد مغني اللبيب ( 2 / 539 ) .
( 370 ) هو الأعشى والبيت في ديوانه 104 .