الثاني : أن هذا القول من إبراهيم سؤال إلزام خرج مخرج الخبر وليس بخبر ، ومعناه : أن من اعتقد أن هذه آلهة لزمه سؤالها ، فلعله فعله [ كبيرهم ] فيجيبه إن كان إلها ناطقا .
إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
أي يخبرون ، كما قال الأحوص :
وما الشعر إلا خطبة من مؤلف * لمنطق حق أو لمنطق باطل
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 64 إلى 67 ]
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 ) قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 )
قوله تعالى :
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ
فيه وجهان :
أحدهما : أن رجع بعضهم إلى بعض .
الثاني : أن رجع كل واحد منهم إلى نفسه متفكرا فيما قاله إبراهيم ، فحاروا عما أرادوه من الجواب فأنطقهم اللّه تعالى الحق
فَقالُوا : إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
يعني في سؤاله ، لأنها لو كانت آلهة لم يصل إبراهيم إلى كسرها ، ولو صحبهم التوفيق لآمنوا مع هذا الجواب لظهور الحق فيه على ألسنتهم .
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه أنهم رجعوا إلى شركهم بعد اعترافهم بالحق .
الثاني : يعني أنهم رجعوا إلى احتجاجهم على إبراهيم بقولهم :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
.
الثالث : أنهم نكسوا على رؤوسهم واحتمل ذلك منهم واحدا من أمرين : إما انكسارا بانقطاع حجتهم ، وإما فكرا في جوابهم فأنطقهم اللّه بعد ذلك بالحجة إذعانا لها وإقرارا بها ، بقولهم :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
فأجابهم إبراهيم بعد اعترافهم بالحجة .