ومن ناظر بنور فراسته وهو صاحب ظنّ يقوّيه لوح - ولكنه من وراء السّرّ « 1 » ، ومن ناظر بيقين علم بحكم برهان وشرط فكر ، ومن ناظر بعين إيمان بوصف اتّباع ، ومن ناظر بنور بصيرة هو على نهار ، وشمسه طالعة وسماؤه من السحاب « 2 » مصحية « 3 » .
قوله جل ذكره :
[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 21 ]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 )
أمن خفضناه في حضيض الضّعة كمن رفعناه إلى أعالي المنعة ؟
أمن أخذنا بيده ورحمناه كمن داسه الخذلان فرجمناه ؟
أمن وهبناه بسط وقت وأنس حال وروح لطف حتى خصصناه ورقيناه ، ثم قرّبناه وأدنيناه كمن ترك جهده واستفراغ وسعه وإسبال دمعه واحتراق قلبه . . فما أنعشناه ؟ .
قوله جل ذكره :
[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 23 ]
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 )
من لم يسلك سبيل الاتباع ، ولم يستوف أحكام الرياضة ، ولم ينسلخ عن هواه بالكلّيه ، ولم يؤدّبه إمام مقتدى فهو ينجرف في كل وهدة ، ويهيم في كلّ ضلالة ، ويضلّ في كل فجّ ، خسرانه أكثر من ربحه ! ! أولئك في ضلال بعيد ؛ يعملون القرب على ما يقع لهم من نشاط نفوسهم « 4 » ، زمامهم بيد هواهم ، أولئك أهل « 5 » المكر . . استدرجوا وما يشعرون ! .
هامش
( 1 ) الفراسة مما يخلقه اللّه في قلب العبد من غير كسب منه ، وهي من ثمرات الإيمان الكامل ، وما يسميه القشيري هنا ( لوحا ) يسميه في موضع آخر ( سواطع ) أنوار تلمع في القلب تدرك بها المعاني ( الرسالة ص 116 ) .
ولمعرفة الفرق بين اللوائح واللوامع أنظر الرسالة ص 43 . ويعرف الجنيد الفراسة فيقول : هي مصادفة الإصابة ، ثم يذكر أنها موهبة كائنة دائمة ( التعرف الكلاباذي ص 157 ) .
( 2 ) هكذا في م وهي في ص ( الصحاب ) بالصاد وواضح في ذلك خطأ الناسخ .
( 3 ) هذه الدرجة الأخيرة - كما هو واضح - أعلى درجات النظر لخلوها من الآفات .
( 4 ) لأن النفس محل المعلومات ، فعملهم مرتهن بنفوسهم وأهوائهم .
( 5 ) هكذا في ( ص ) وهي في م ( أصل ) وهي خطأ من الناسخ لأنهم « أهل » المكر إشارة إلى قوله تعالى :« وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ».