وكذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير ، تمشى به رياح العناية ، وأشرعة التوكل مرفوعة ، والسّبل في بحر اليقين واضحة . وطالما تهب رياح السلامة فالسفينة ناجية . أمّا إن هبّت نكبات الفتنة فعندئذ لا يبقى بيد الملّاح شئ ، والمقادير غالبة ، وسرعان ما تبلغ قلوب أهل السفينة الحناجر .
قوله جل ذكره :
[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 13 ]
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 13 )
« جَمِيعاً مِنْهُ »
: كلّ ما خلق من وجوه الانتفاع بها - كلّه منه سبحانه ؛ فما من شئ من الأعيان الظاهرة إلّا - ومن وجه - للانسان به انتفاع . . وكلها منه سبحانه ؛ فالسماء لهم بناء ، والأرض لهم مهاد . . إلى غير ذلك . ومن الغبن أن يستسخرك ما هو مسخّر لك ! « 1 » وليتأمل العبد كلّ شئ . . كيف إن كان خلل في شئ منها ماذا يمكن أن يكون ؟ ! فلو لا الشمس . . كيف كان يمكن أن يتصرّف في النهار ؟ « 2 » ولو لم يكن الليل كيف كان يسكن بالليل ؟ ولو لم يكن القمر . . . كيف كان يهتدى إلى الحساب والآجال ؟ . . .
إلى غير ذلك من جميع المخلوقات .
قوله جل ذكره :
[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 14 ]
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 )
« 3 » ندبهم إلى حسن الخلق ، وجميل العشرة ، والتجاوز عن الجهل ، والتنقى من كدورات البشرية . ومقتضيات الشّحّ .
هامش
( 1 ) هذا الكلام ينصرف إلى الدنيا بأسرها . . فلا ينبغي أن يسترقك ما هو هبة لك .
( 2 ) بحثا عن معاشه .
( 3 ) يقال إن الآية نزلت بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهمّ أن يبطش به . ويقال نزلت في عمر حينما أراد أن يبطش بغلام عبد اللّه بن أبيّ حين ذهب ليستقى فمنعه حتى ملئت قرب النبي وقرب أبى بكر ، فلما بلغ ذلك عبد اللّه قال : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك ، فلما بلغ عمر ذلك اشتمل سيفه وأراد التوجه لقتله ، فأنزل اللّه هذه الآية .