إذا أنعم العبد نظره في استواء قدّه وقامته ، واستكمال عقله وتمام تمييزه ، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه ، ثم فكّر فيما عداه من الدواب ؛ في أجزائها وأعضائها . . ثم وقف على اختصاص وامتياز بني آدم من بين البريّة من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم ، ثم في الإيمان والعرفان ووجوه خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة في فنون الإحسان - عرف تخصّصهم بمناقبهم ، وانفرادهم بفضائلهم ، فاستيقن أن اللّه كرّمهم ، وعلى كثير من المخلوقات قدّمهم .
قوله جل ذكره :
[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 5 ]
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 5 )
جعل اللّه العلوم الدينية كسبية مصحّحة بالدلائل ، محقّقة بالشواهد . فمن لم يستبصر بها زلّت قدمه عن الصراط المستقيم « 1 » ، ووقع في عذاب الجحيم ؛ فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد ، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد .
قوله جل ذكره :
[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 6 ]
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ( 6 )
فمن لا يؤمن بها فبأي حديث يؤمن ؟ ومن أي أصل يستمد بعده ؟ ومن أي بحر في التحقيق يغترف ؟ هيهات ! ما بقي للإشكال في هذا مجال .
قوله جل ذكره :
[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 7 إلى 8 ]
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 7 ) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 8 )
.
هامش
( 1 ) في هذا ردّ على من يزعمون أن الصوفية يتنكرون العلوم الكسبية ؛ فهي كما هو واضح ذات أهمية قصوى في تثبيت الإيمان . هذا في الوقت الذي يقر القشيري بالعلوم الوهبية كما يتضح من الهامش رقم ( 2 ) في الصفحة التالية .