تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
تكون في حال الاضطرار لما لا يكون ابتداؤه جرما لك ، وتكون ضرورتك لسراية جنايتك . قوله جل ذكره :

[ سورة غافر ( 40 ) : آية 15 ]

رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) رافع الدرجات للعصاة بالنجاة « 1 » ، وللمطيعين بالمثوبات ، وللأصفياء والأولياء بالكرامات ، ولذوي الحاجات بالكفايات ، وللعارفين بتنقيبهم عن جميع أنواع الإرادات . ويقال درجات المطيعين بظواهرهم في الجنة ، ودرجات العارفين بقلوبهم في الدنيا ؛ فيرفع درجاتهم عن النظر إلى الكونين دون المساكنة إلهما . وأمّا المحبون فيرفع درجاتهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعقبى شيئا غير رضاء محبوبهم « 2 » .
« ذُو الْعَرْشِ »
: ذو الملك الرفيع . ويقال العرش الذي هو قبلة الدعاء ، خلقه أرفع المخلوقات وأعظمها جثة « 3 » .
« يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ »
روح بها ضياء أبدانهم - وهو سلطان عقولهم ، وروح بهاء ضياء قلوبهم - وهو شفاء علومهم ، وروح بها ضياء أرواحهم
هامش
( 1 ) واضح أن القشيري لا يكاد يترك فرصة دون أن يفتح أبواب الأمل أمام العصاة حتى لا يقنطوا من رحمة اللّه . . وهذا نابع من سياحته الصوفية الأصيلة . ( 2 ) هنا نلاحظ أن القشيري جعل المحب أعلى درجة من العارف - مع أن العرفان الذي غايته التوحيد - هو أعلى مراتب الطريق الصوفي . ولكن نظرا لأن الحب والفناء والمعرفة كلها من الحب وإلى الحب فكثيرا ما نجد كتاب التصوف كالقشيرى والغزالي وغيرهما لا يتقيدون تقيدا حرفيا بهذا الترتيب الذي يفيد في الدراسة فقط ، وقد تناولنا هذه النقطة بالتفصيل في كتابنا « نشأة التصوف الإسلامي ط دار المعارف » في مقدمة باب « المذاقات » . ( 3 ) نلاحظ أن القشيري هنا يصف ( العرش ) مرة بأنه الملك أو قبلة الدعاء ثم يعود فيقول ( . . . . وأعظمها جثة ) بمعنى أن يجرد العرش مرة من المادية ثم يعود ليخلع عليه النسبة المادية ، فإذا كان ذلك بقصد مخاطبة الناس على قدر فهومهم - كما قلنا من قبل فهذا جائز . . ولكن الواقع أن القشيري يعبر عن شئ من الاضطراب الذي أصاب الأشاعرة إزاء المتشابهات ، وهو أمر تحدثنا عنه بالتفصيل في كتابنا ( لإمام القشيري - تصوفه وأدبه ) . . . ولعل خير ما انتهى إليه الرازي قوله « حاصل مذهب السلف أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد اللّه منها شئ غير ظواهرها ، ثم يجب تفويض معناها إلى اللّه ، ولا يجوز الخوض في تفسيرها » ( أساس التقديس للرازي ط الكردي ص 223 ) :