التي يغروهم بها آثار رضاه عنهم . فإذا عرف الكافر في الآخرة أنّ ربّه عليه غضبان فلا شئ أصعب على قلبه من ذلك ؛ لأنه علم أنه لا بكاء ينفعه ، ولا عناء يزيل عنه ما هو فيه ويدفعه ، ولا يسمع له تضرّع ، ولا ترجى له حيلة .
قوله جل ذكره :
[ سورة غافر ( 40 ) : آية 11 ]
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 )
الإماتة الأولى إماتتهم في الدنيا ثم في القبر يحييهم ، ثم يميتهم فهي الإماتة الثانية .
والإحياء الأول في القبر والثاني عند النشر « 1 » .
« فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا »
: أقروا بذنوبهم - ولكن في وقت لا ينفعهم الإقرار .
« فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ »
مما نحن فيه من العقوبة ، وإنما يقولون ذلك حين لا ينفعهم الندم والإقرار . فيقال لهم :
[ سورة غافر ( 40 ) : آية 12 ]
ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 )
- أي تصدّقوا المشركين لكفرهم . [ وهؤلاء إماتتهم محصورة ، فأمّا أهل المحبة فلهم في كلّ وقت حياة وموت ، قال قائلهم :
أموت إذا فقدتك ثم أحيا * فكم أحيا عليك وكم أموت !
فإنّ الحقّ - سبحانه - يردّد أبدا الخواصّ من عباده بين الفناء والبقاء ،
هامش
( 1 ) هذا الرأي يذهب إليه السّدّى أيضا ، وإنما إحياؤهم في القبور للمسألة ، ومن هذا استدل العلماء على سؤال القبر .
واستدل من الآية كذلك على إحياء الأجساد ، لأن الروح - عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح - لا تموت ولا تتغير ولا تفسد ، فلو كان الثواب والعقاب للروح - دون الجسد - فما معنى الإحياء والإماتة ؟
ويذهب ابن عباس وابن مسعود وقتادة والضحاك إلى أنهم كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم ، ثم أحياهم . ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا ، ثم أحياهم البعث والقيامة ، فهاتان حياتان وموتتان .