وفي الآية وجوه من الإشارة : فمنها أنه لمّا ذكر هذا بلفظ الميراث فالميراث يقتضى صحة النّسب على وجه مخصوص ، فمن لا سبب له فلا نسب له ، ولا ميراث له .
ومحلّ النّسب هاهنا المعرفة ، ومحلّ السبب الطاعة . وإن قيل محلّ النّسب فضله ، ومحل السبب فعلك « 1 » . . فهو وجه . ويصحّ أن يقال محلّ النسب اختياره لك بدءا ومحلّ السبب إحسانه لك تاليا .
ويقال أهل النسب على أقسام : - الأقوى ، والأدنى كذلك في الاستحقاق .
ويقال جميع وجوه التملّك لا بدّ فيها من فعل للعبد كالبيع ، أمّا ما يملك بالهبة فلا يحصل إلا بالقبول والقسمة ، ولا يحصل الاستحقاق إلا بالحضور والمجاهدة وغير ذلك : والوصية لا تستحقّ إلا بالقبول ، وفي الزكاة لا بدّ من قبول أهل السّهمان ، والميراث لا يكون فيه شئ من جهة الوارث وفعله ، والنّسب ليس من جملة أفعاله .
ويقال الميراث يستحقّ بوجهين : بالفرض والتعصيب ، والتعصيب أقوى من الفرض ؛ لأنه قد يستحق به جميع المال ، ثم الميراث يبدأ بذوي الفروض ثم ما يتبقى فللعصبة « 2 » .
« فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ »
: تكلموا في الظالم ، فمنهم من قال هو الأفضل ، وأرادوا به من ظلم نفسه لكثرة ما حمّلها من الطاعة .
والأكثرون : إنّ السابق هو الأفضل ، وقالوا : التقديم في الذكر لا يقتضى التقديم في الرتبة ، ولهذا نظائر كثيرة « 3 » .
ويقال قرن باسم الظالم قرينة وهي قوله :
« لِنَفْسِهِ »
، وقرن باسم السابق قرينة وهي قوله :
هامش
( 1 ) فالنسب وهبى والفعل كسبى كما أن المعرفة وهبية والطاعة كسية وإن كان الصوفية يرون أن الكسب والاجتلاب والتصرف والتكلف كلها لا تتم إلا بفضل من اللّه ( أنظر شرح المكي لأبيات رابعة المبدوءة ب « أحبك حبين . . . » في قوت القلوب » . وهذا المعنى واضح هنا أيضا في تفسير القشيري .
( 2 ) العصبة واحدة العصب ، وعصبة الرجل ( في الفرائض ) من ليست له فريضة مسماة في الميراث ، وإنما يأخذ ما أبقى ذو والفروض . أنظر رأى القشيري في تفضيل التعصيب على الفرض ( المجلد الأول من هذا الكتاب ص 317 )
( 3 ) على نحو ما يذكره البلاغيون في ذكر الخاص بعد العام .