الطالب واجد ولكن بعطائه ، والراغب واصل ولكن إلى مبارّه . والسبيل سهل ولكن إلى وجدان لطفه ، فأمّا الحقّ فهو عزيز وراء كل وصل وفصل ، وقرب وبعد ، وما وصل أحد إلا إلى نصيبه ، وما بقي أحد إلا عن حظه ، وفي معناه أنشدوا :
وقلن لنا نحن الأهلّة إنما * نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى
فلا بذل إلا ما تزوّد ناظر * ولا وصل إلا بالجمال الذي يسرى
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 11 ]
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 )
غشيهم النّعاس تلك الليلة فأزال عن ظواهرهم « 1 » ونفوسهم كدّ الأغيار والكلال ، وأنزل على قلوبهم روح الأمن ، وأمطرت السماء فاغتسلوا بعد ما لزمتهم الطهارة الكبرى بسبب الاحتلام ، واشتدت الأرض بالمطر فلم ترسب الأقدام في رملها ، وانتفى عن قلوبهم ما كانت الشياطين توسوس به إليهم أنه سيصيبهم العناء بسلوك رملها وبالانتفاء عن الغسل ، فلمّا ( . . . . ) « 2 » الإحساس ، واستمكن منهم النّعاس ، وتداركتهم الكفاية والنصرة استيقنوا بأن الإعانة من قبل اللّه لا بسكونهم وحركتهم ، وأشهدهم صرف التأييد وإتمام الكفاية وكما طهّر ظواهرهم بماء السماء طهّر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كلّ غير وكلّ غير وكلّ علّة ، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس ، وربط على قلوبهم بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجرى الحقّ من فنون التصريف .
قوله جل ذكره :
وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
.
هامش
( 1 ) وردت ( زواهرهم ) والصواب أن تكون ( ظواهرهم ) لتتلاءم مع ( نفوسهم )
( 2 ) مشتبهة وربما كانت ( زايلهم )