تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
بيّن - سبحانه - أن الجدال منهم عادة وسجيّة ، ففي كل شئ لهم جدال واختيار ؛ فكرهوا خروجه إلى بدر ، كما جادلوا في حديث الغنيمة ، قال تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ »
. وما يكون من خصال العبد غير متكرر ويكون على وجه الندرة كان أقرب إلى الصفح عنه والتجاوز ، فأمّا إذا صار ذلك عادة فهو أصعب . ويقال ما لم تباشر خلاصة الإيمان القلب لا يوجد كمال التسليم وترك الاختيار ، وما دام يتحرك من العبد عرق في الاختيار فهو بعيد عن راحة الإيمان . ولقد أجرى اللّه سنّته مع أوليائه ، وكذلك كانت سنّته مع أنبيائه ألا يفتح لهم كمال النّعمى إلا بعد مفارقة مألوفات الأوطان ، والتجرد عن مساكنة ما فيه « 1 » حظ ونصيب من كل معهود ويقال إن في هجرة الأنبياء - عليهم السّلام - عن أوطانهم أمانا لهم من عادية الأعادى ، وإحياء لقلوب قوم تقاصرت أقدامهم عن المسير « 2 » إليهم . وكذلك هجرة الأولياء من خواصه ؛ فيها لهم خلاص من البلايا ، واستخلاص للكثيرين من البلايا . قوله جل ذكره :

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 6 ]

يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) جحود الحقّ بعد وضوح برهانه علم « 3 » لاستكبار صاحبه ، وهو - في الحال - في وحشة غيّه ، معاقب بالصّد وتنغّص العيش ، يملّ حياته ويتمنى وفاته ؛
« كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ »
. قوله جل ذكره :

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 7 ]

وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 )
هامش
( 1 ) وردت ( ما لم فيه ) وربما كانت ( ما لهم فيه ) ( 2 ) وردت ( المصير ) والصحيح ( مسير ) الذين لم تتح لهم فرصة الانتقال إلى أماكن الأنبياء . ( 3 ) ضبطنا ( علم ) هكذا لكي تؤدى معنى ( علامة ) على الاستكبار ، فهكذا يتطلب السياق .