ولم يطع « 1 » شهوته فيما تحمله النفس عليه من البلاء إلى ابتغاء حظّه فقد وفّى الجهاد حقّه .
والإشارة في قوله :
« إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ »
بإيثار بعض الرّخص ليتقوّى على ما هو أشد ؛ كأكلة مثلا ما يقيم صلبه ليقوى على السّهر ، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة من إزالة عطش ، أو نفى مقاساة جوع أو برد أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه ، ولاستدامة اتصال قلبه به ، فإن ترك بعض أوراد الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة في أحكام واردات السرائر أخذ في حقّ الجهاد بحزم .
والإشارة في قوله :
« أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ »
إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه فيما يساعدونه في المجاهدة ، ويبقى شهود ما هم فيه من المكابدة من إقامته على مجاهدته . ثم باستمداده من همم الشيوخ ؛ فإن المريد ربيب همّة شيخه ، فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خدمهم من نعمهم ، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هممهم ؛ يجبرون « 2 » كسرهم ، ويتوبون منهم ، ويساعدونهم بحسن إرشادهم . ومن أهمل مريدا وهو يعرف صدقه ، أو خالف شيخا وهو يعرف فضله وحقّه فقد باء من اللّه بسخط ، واللّه تعالى حسيبه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 17 ]
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 )
الذي نفى عنهم من القتل هو إماتة الروح وإثبات الموت ، وهو من خصائص قدرته - سبحانه ، والذي يوصف به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم ، ويحصل ذهاب الروح عقيبه .
وفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر قتلت فلانا ، فقال :
« فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ »
أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبدئ « 3 » هو اللّه عزّ وجل . وصانهم بهذه الآية وصان نبيّه - عليه السّلام - عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم .
هامش
( 1 ) وردت ( لم يطلع ) وهي خطأ في النسخ .
( 2 ) وردت ( يخبرون ) والمناسب للكسر ( يجبرون ) .
( 3 ) وردت ( المهدى ) بالهاء وقد جعلناها ( المبدى ) لأن الكلام متجه إلى الإنشاء والإيجاد والإبداع والخلق .