ويقال الطالبون في نوح رهبتهم ، والواصلون في روح قربتهم ، والموحّدون في محو غيبتهم ؛ استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقت مستأنف فيستفزهم خوف أو يجرفهم طمع ، ولا لهم إحساس فتملكهم لذة ؛ إذ لمّا « 1 » اصطلموا ببواده ما ملكهم فهم عنهم محو ، والغالب عليهم سواهم .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 3 إلى 4 ]
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 )
لا يرضون في أعمالهم بإخلال ، ولا يتصفون بجمع مال من غير حلال ، ولا يعرّجون في أوطان التقصير بحال ، أولئك الذين صفتهم ألا يكون للشريعة عليهم نكير ، ولا لهم عن أحكام الحقيقة مقيل .
ف
« هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا »
أي حققوا حقا وصدقوا صدقا . ويقال حق لهم ذلك حقا .
قوله :
« لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ »
على حسب ما أهّلهم له من الرّتب ؛ فبسابق قسمته لهم استوجبوها ، ثم بصادق خدمتهم - حين وفّقهم لها - بلغوها .
ولهم مغفرة في المآل ، والسّتر في الحال لأكابرهم ؛ فالمغفرة الستر ، والحق سبحانه يستر مثالب العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم ، ويستر مناقب العارفين عليهم لئلا يعجبوا بأعمالهم وأحوالهم ، وفرق بين ستر وستر ، وشتّان ما هما ! وأمّا الرزق الكريم فيحتمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يحتسب ، ويحتمل أنه الذي لا ينقص بإجرامهم ، ويحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود الرزاق ، ويحتمل أنه رزق الأسرار بما يكون استقلالها به من المكاشفات .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 5 ]
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 )
.
هامش
( 1 ) وردت ( لم ) والسياق يقتضى ( لما ) .