فأمّا من دونهم فتنوّع أحوالهم من حيث الخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة . ومن فوق الجميع فأصحاب البقاء والفناء ، والصحو والمحو ووراءهم أرباب الحقائق مثبتون في أوطان التمكين ، فلا تلوّن لهم ولا تجنّس لقيامهم بالحق ، وامتحائهم عن شواهدهم .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 206 ]
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 )
أثبت لهم عندية الكرامة ، وحفظ عليهم أحكام العبودية لئلا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم « 1 » ، وهذه سنّة اللّه تعالى مع خواص عباده ؛ يلقاهم بخصائص عين الجمع ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق لئلا يخلّوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة « 2 » .
السورة التي تذكر فيها الأنفال
قال اللّه تعالى :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بسم اللّه إخبار عن قدرته على الإبداع والاختراع ، الرحمن الرحيم إخبار عن تصرفه بالإقناع وحسن الدّفاع ؛ فبقدرته أوجد ما أوجد من مراده ، وبنصرته وحّد من وحّد قوله جل ذكره :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 1 )
الأنفال هاهنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين ، وكان سؤالهم عن حكمها ، فقال اللّه تعالى : قل لهم إنها للّه ملكا ، ولرسوله - عليه السّلام - الحكم فيها بما يقضى به أمرا وشرعا .
هامش
( 1 ) وردت فوقهم بالواو والصواب ( فرقهم ) بالراء ، فالكلام عن الجمع والفرق .
( 2 ) لاحظ هنا كيف يلح القشيري دائما على عدم الإخلال باي شرط من شروط الشريعة مهما أوغل العبد في الفناء ، بل يعتبر حفظ اللّه لعبده في هذه المرحلة الحاسمة علامة صدق العبد وآية خصوصيته .