قل : إن الخاسرين : الذين خسروا أنفسهم . . . . نسوا اللّه ، فأنساهم أنفسهم . ويفكر المتفلسف هنا ويتساءل : هل يمكن للإنسان أن يخسر نفسه إذ الخسران هو الفقدان والضياع ، وهو لا يكون إلّا بشيئين : خاسر فاقد ، والآخر مفقود ضائع . فكيف يمكن للإنسان أن يخسر نفسه ويفقدها ويضيّعها أليس هذا من التناقض ثم هل يمكن للإنسان أن ينسى نفسه إذ الإنسان الحي غارق في ذات نفسه ، لا يرى شيئا إلّا بإضافته ونسبته إلى نفسه ، فهو يلتفت إلى نفسه قبل كل شيء إذن : فما معنى نسيانه لها . والتفت بعد ذلك إلى أن لهذه المسألة سابقة قديمة في المعارف الإسلامية ، من الأحاديث والأدعية والعرفان والأدب العرفاني الإسلامي . وعلمت : أن الإنسان قد تلتبس عليه نفسه بغيرها فيحسبها نفسه ، وبما أنه يحسب غيره نفسه فما يفعله ويحسبه لنفسه يكون قد فعله لغيره في الحقيقة والواقع ، ويكون قد ترك نفسه وهجرها ونسيها بل مسخها . مثلا : حيث يحسب الإنسان أن شخصيته الواقعية هي « شخصه الجسماني » فما يفعله يفعله لجسمه ، يكون قد ضيع نفسه ونسيها ، وحسب غيره نفسه . فمثله - على حد تعبير المولوي - كمثل من يتعب لأرض يحسبها أرضه ، فيأتي لها بالبناء والعمال والمواد الإنشائية فيبنيها ، ثم يصبغها ويزينها بأنواع الفراش والستر الجميلة ، وحينما يريد أن ينتقل إليها ينتبه إلى إنه قد بنى وعمر وفرش وزين أرضا هي غير أرضه وأن أرضه بعد بائرة إلى جانب هذا البناء : « لا تبن دارك في أرض غيرك . اعمل لنفسك لا تعمل لغيرك .
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 196
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٩٦
هامش
( 1 ) سورة الزمر : 15 .
( 2 ) سورة الحشر : 19 .